""""""صفحة رقم 88""""""
والقضاء على خمسة أوجه: واجب ، وهو أن يتعين له ، ولا يوجد من يصلح غيره ،
لأنه إذا لم يفعل أدى إلى تضييع الحكم ، فيكون قبوله أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ،
وإنصاف المظلومين من الظالمين وأنه فرض كفاية . ومستحب ، وهو أن يوجد من يصلح لكن
هو أصلح وأقوم به . ومخيّر فيه ، وهو أن يستوي هو وغيره في الصلاحية والقيام به ، فهو
مخيّر إن شاء قبله ، وإن شاء لا . ومكروه ، وهو أن يكون صالحا للقضاء ، لكن غيره أقوم به
وأصلح وحرام ، وهو أن يعلم من نفسه العجز عنه ، وعدم الإنصاف فيه لما يعلم من باطنه
من إتباع الهوى ما لا يعرفونه فيحرم عليه ، ويكون رزقه وكفايته وكفاية أهله وأعوانه ومن
يموّنهم من بيت المال ، لأنه محبوس لحق العامة ، فلولا الكفاية ربما طمع في أموال الناس ،
ولهذا قالوا: يستحب للإمام أن يقلد القضاء من له ثروة لئلا يطمع في أموال الناس وإن تنزه
فهو أفضل .
وأبو بكر الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة خرج إلى السوق ليكتسب ، فرده عمر
رضي الله عنه ، ثم أجمعوا على أن جعلوا له كل يوم درهمين ، وكان عنده عباءة قد اشتراها
من رزقه ، فلما حضرته الوفاة قال لعائشة رضي الله عنها أعطيها عمر ليردها إلى بيت المال ،
فدل على أنه إذا استغنى لا يأخذ ، وهو المختار .
قال: ( والأولى أن يكون القاضي مجتهدا ) لأن الحادثة إذا وقعت يجب طلبها من
الكتاب ثم من السنة ثم من الإجماع ، فإن لم يوجد في شيء من ذلك استعمل الرأي
والاجتهاد ، ويشهد له حديث معاذ حين بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى اليمن وولاه الحكم بها ،
فقال له: ' كيف تصنع إن عرض لك حكم ' ؟ قال: أقضي بما في كتاب الله ، قال: ' فإن لم
تجد ' ؟ قال: فبسنة رسول الله ، قال: ' فإن لم تجد ' ؟ قال: أجتهد برأيي ، فقال عليه الصلاة
والسلام: ' الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله ' وإنما لم يذكر
الإجماع لأنه لا إجماع مع وجوده عليه الصلاة والسلام ، لأنه بمنزلة القياس مع النص بعده
عليه الصلاة والسلام .
قال:( فإن لم يوجد فيجب أن يكون من أهل الشهادة موثوقا به في دينه وأمانته وعقله
وفهمه ، عالما بالفقه والسنة ، وكذلك المفتي )أما أهلية الشهادة ، فلأنها من باب الولاية
والقضاء أقوى وأعم ولاية ، وكل من كان من أهل الشهادة كان من أهل القضاء ، ومن لا
فلا ؛ ولا تجوز ولاية الصبي والمجنون والعبد لأن لا ولاية لهم ، ولا الأعمى لأنه ليس من