""""""صفحة رقم 63""""""
قال: ( وهي هبة المنافع ) وقال الكرخي: إباحة المنافع حتى لا يملك المستعير
إجارة ما استعار ولو ملك المنافع لملك إجارتها ، والأول الصحيح لأن المستعير له أن
يعير ، ولو كانت إباحة لما ملك ذلك ، كمن أبيح له الطعام ليس له أن يبيحه لغيره ، ولأن
العارية مشتقة من العرية وهي العطية ، وإنما لم تجز الإجارة لأنها تمليك مؤقت ينقطع حقه
عنها إلى انتهاء المدة ، والعارية تمليك على وجه لا ينقطع عنها متى شاء ، فلو جازت
الإجارة يلزم المعير من الضرر ما لم يلتزمه ولا رضي به فلا يجوز ، أو نقول الإجارة أقوى
وألزم من الإعارة والشيء لا يستتبع ما هو أقوى منه . قال:( ولا تكون إلا فيما ينتفع به
مع بقاء عينه ).
اعلم أن الإعارة نوعان: حقيقة ، ومجاز . فالحقيقة إعارة الأعيان التي يمكن الانتفاع بها
مع بقاء عينها كالثوب والعبد والدار والدابة . والمجاز إعارة ما لا يمكن الانتفاع به إلا
باستهلاكه كالدراهم والدنانير والمكيل والموزون والعددي المتقارب ، فيكون إعارة صورة
قرضا معنى ، لأنه رضي باستهلاكه ببدل ، فكان تمليكا ببدل وهو القرض ؛ ولو استعار دراهم
ليعاير بها ميزانه أو يزين بها حانوته ليس له أن يتعدى ما سمي من المنفعة ، ولا يكون قرضا
كاستعارة الحلي .
قال: ( وهي أمانة ) لا يضمنها من غير تعد . قال عليه الصلاة والسلام: ' ليس على
المستعير غير المغل ضمان ' ولأنه قبضه من يد المالك لا على وجه الضمان ، لأن اللفظ
يقتضي تمليك المنافع بغير عوض لغة وشرعا لما بينا فلم يكن متعديا ، وتأويل ما روي ' أنه
عليه الصلاة والسلام استعار دروعا من صفوان ، فقال: أغصبا تأخذها يا محمد ؟ فقال: لا بل
عارية مؤداة مضمونة ' أي واجبة الرد مضمونة بمؤونة الرد توفيقا بين الحديثين بالقدر
الممكن .
قال: ( وتصح بقوله أعرتك ) لأنه صريح فيه ( وأطمعتك هذه الأرض ) للاستعمال فيه
( وأخدمتك هذا العبد ) لأن منفعة العبد خدمته ، وقد أذن له في استخدامه( ومنحتك هذا الثوب
وحملتك على هذه الدابة إذا لم يرد بهما الهبة )لما مر في الهبة ( وداري لك سكنى ) لأن معناه
سكناها لك ( أو سكنى عمري ) أي سكناها لك عمرك .