""""""صفحة رقم 194""""""
واعلم أن الاقتصار على أدنى ما يكفيه عزيمة وما زاد عليه من التنعم ونيل اللذات
رخصة وقد قال عليه الصلاة والسلام: ' إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن
تؤتى عزائمه ' وقال عليه الصلاة والسلام: ' بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ولم أبعث
بالرهبانية الصعبة ' وفي الحديث ' لا يزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربعة: عن
عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيماذا صرفه ؟ ' والذي
يجب على المسلم أن يتمسك بخصال: منها التحرز عن ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما
بطن ؛ ومنها المحافظة على أداء الفرائض في أوقاتها بواجباتها تامة كما مر بها ؛ ومنها التحرز
عن السحت واكتساب المال من غير حله ؛ ومنها التحرز عن ظلم كل مسلم أو معاهد ، وما
عدا ذلك فقد وسع الله تعالى علينا الأمر فيه ، فلا نضيقه علينا ولا على أحد من المسلمين .
وفي الحديث ' أن النبي عليه الصلاة والسلام وعظ الناس يوما وذكر القيامة ، فرقّ له
الناس وبكوا ، فاجتمع عشرة في بيت عثمان بن مظعون ، وهم أبو بكر وعلي وابن مسعود
وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبو ذر وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد وسلمان
الفارسي ومعقل بن مقرن ، واتفقوا على أن يترهبوا ويجبوا مذاكيرهم ويلبسوا المسوح
ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا
النساء والطيب ويسيحوا في الأرض ، فبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال لهم: ' ألم أنبأ أنكم
اتفقتم على كذا وكذا ؟ ' قالوا: بلى وما أردنا إلا خيرا ، فقال عليه الصلاة والسلام: ' إني لم
آمر بذلك ' ، ثم قال: ' إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا ، فإني أقوم
وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ' . ثم
خطب فقال: ' ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا ، أما إني
لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا ، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ
الصوامع ، فإن سياحة أمتي الصوم ، ورهبانيتهم الجهاد ، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ،
وحجوا واعتمروا ، وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وصوموا رمضان ، واستقيموا يستقم لكم ،
فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، ونزل قوله تعالى:
)يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم( [ المائدة: 87 ] - إلى قوله: -
)واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ( [ المائدة: 88 ] .
تم الجزء الرابع من ' الاختيار لتعليل الأخبار
ويليه: الجزء الخامس ، وأوله: كتاب الصيد .