""""""صفحة رقم 26""""""
الابتداء سيما سكان البوادي وأهل الجهل العادلين عن سنن العقل والعدل كما نقل من
عادتهم في الجاهلية ، فلو لم تشرع الأجزية الزاجرة عن التعدي والقصاص من غير زيادة ولا
انتقاص لتجرأ ذوو الجهل والحمية والأنفس الأبية على القتل والفتك في الابتداء وإضعاف ما
جنى عليهم في الاستيفاء ، فيؤدي ذلك إلى التفاني ، وفيه من الفساد ما لا يخفى ؛ فاقتضت
الحكمة شرع العقوبات الزاجرة عن الابتداء في القتل والقصاص المانع من استيفاء الزائد على
المثل فورد الشرع بذلك لهذه الحكمة حسما عن مادة هذا الباب فقال: ) ولكم في القصاص
حياة يا أولي الألباب ( [ البقرة: 179 ] .
قال:( القتل المتعلق بالأحكام خمسة: عمد ، وشبه عمد ، وخطأ ، وما أجري مجرى
الخطأ ، والقتل بسبب )ومعناه القتل الواقع ابتداء بغير حق الذي يتعلق به القصاص أو الدية
والكفارة هذه الخمسة ، وبيان الحصر أن القتل لا يخلو إما إن كان مباشرة أو لا ، فإن لم
يكن مباشرة فهو القتل بسبب ؛ وإن كان مباشرة ، فإما إن كان عمدا أو خطأ ، فإن كان
عمدا فإما إن كان بسلاح وما شابهه في تفريق الأجزاء أو بغير ذلك ؛ فإن كان فهو العمد ،
وإن كان بغيره فهو شبه العمد ، وإن كان خطأ ، فإما إن كان حالة اليقظة أو حالة النوم ،
فإن كان حالة اليقظة فهو الخطأ ، وإن كان حالة النوم فهو الذي أجري مجراه ، ولئن قيل
قتل المكره ليس مباشرة من المكره وقد جعلتموه عمدا حتى أوجبتم عليه القصاص . قلنا
لما كان المكره مطلوب الاختيار لم يضف الفعل إليه فجعلناه كالآلة في يد المكره وانتقل
فعله إليه ، فكأن المكره قتله بآلة أخرى فصار مباشرة تقديرا وشرعا ، وتمامه يعرف في
الإكراه .
قال: ( فالعمد أن يتعمد الضرب بما يفرق الأجزاء كالسيف والليطة والمروة والنار )
لأن العمد فعل القلب لأنه القصد ، وذلك لا يتوقف عليه إلا بدليله وهو مباشرة الآلة
الوجبة للقتل عادة ، وأنه موجود فيما ذكرناه فكان عمدا ، ولو قتله بحديد أو صفر غير
محدد كالعمود والسنجة ونحوهما فيه روايتان في ظاهر الرواية هو عمد نظرا إلى أنه أصل
الآلة ، وفي رواية الطحاوي ليس بعمد لأنه لا يفرّق الأجزاء ؛ ولو طعنه برمح لا سنان له
فجرحه فهو عمد لأنه إذا فرّق الأجزاء فهو كالسيف . وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة
فيمن ضرب رجلا بإبرة وما يشبهه عمدا فمات لا قود فيه ؛ وفي المسلّة ونحوها القود لأن
الإبرة لا يقصد بها القتل عادة ويقصد بالمسلة ، وفي رواية أخرى إن غرز بالإبرة في المقتل
قتل وإلا فلا .