جُمُعَةٍ، فَعَزَمَ النَّاس عَلَى مُصَادَمَتِهِمِ، فَنَهَاهُمُ النُّعْمَانُ وَأَمَرَهُمْ أَن لَا يُقَاتِلُوا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الْأَرْوَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ. وَأَلَحَّ النَّاسُ عَلَى النُّعْمَانِ فِي الْحَمْلَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ -وَكَانَ رَجُلًا ثَابِتًا-، فَلَمَّا حَانَ الزَّوَالُ صَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ ثُمَّ رَكِبَ بِرْذَوْنًا لَهُ أَحْوَى (1) قَرِيبًا مِنَ الْأَرْضِ، فَجَعَلَ يَقِفُ عَلَى كُلِّ رَايَةٍ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَيَأَمُرُهُمْ بِالثَّبَاتِ، وَيُقَدِّمُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ الْأُولَى فَيَتَأَهَّبُ النَّاسُ لِلْحَمْلَةِ، وَيُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ أُهْبَةٌ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ وَمَعَهَا الْحَمْلَةُ الصَّادِقَةُ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ.
وَتَعَبَّأَتِ الْفُرْسُ تَعْبِأَةً عَظِيمَةً وَاصْطَفُّوا صُفُوفًا هَائِلَةً فِي عَدَدٍ وَعُدَدٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَقَدْ تَغَلْغَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَأَلْقَوْا حَسَكَ الْحَدِيدِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ حَتَّى لَا يُمْكِنَهُمُ الْهَرَبُ وَلَا الْفِرَارُ، وَلَا التَّحَيُّزُ. ثُمَّ إِنَّ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَبَّرَ الْأُولَى وَهَزَّ الرَّايَةََ فَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِلْحَمْلَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ الثَّانِيَةَ وَهَزَّ الرَّايَةََ فَتَأَهَّبُوا أَيْضًا، ثُمَّ كَبَّرَ الثَّالِثَة وَحَمَلَ وَحَمَلَ النَّاسُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلَتْ رَايَةُ النُّعْمَانِ تَنْقَضُّ عَلَى الْفُرْسِ كَانْقِضَاضِ الْعُقَابِ (2) عَلَى الْفَرِيسَةِ، حَتَّى تَصَافَحُوا بالسُّيُوفِ فَاقْتَتَلُوا اقْتِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ فِي مَوْقِفٍ مِن
(1) « الْأحوى » : الَّذِي اشتدّ احمرارُه حَتَّى قربَ مِنَ السّوادِ. « لِسَان الْعَرَبِ » (14/206) .
(2) الْعُقَاب: طير مَشْهُور مِنَ الْجوارح.