حِينَ هَدَأَتِ الْأُمُورُ قَلِيلًا بَعْدَ مَعْرَكَةِ النَّهْرَوَانِ بِفَتْرَةٍ تُقَارِبُ السَّنَتَيْنِ، انْتَدَبَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَاجْتَمَعُوا بِمَكَّةَ وَتَعَاقَدُوا لَيَقْتُلُنَّ عَلِيِّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيانَ، وَعَمْرَوَ بْنَ الْعَاصِ.
قَالُوا: نَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِقَتْلِ هَؤُلَاء الثَّلَاثَةِ (وَذَلكَ لِيُرِيحُوا الْعِبَادَ مِنْهُمْ كَمَا يَزْعُمُونَ) ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ الْمُرَادِيُّ: أَنَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ الْبَرْكُ التَّمِيمِيُّ: أَنَا لِمُعَاوِيَةَ، أَمَّا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، فَقَالَ: أَنا لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْد سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْ رَمَضَانَ.
وَكَانَ عَمْرٌو فِي مِصْرَ، وَمُعَاوِيَةُ فِي الشَّامِ، وَعَلِيٌّ فِي الْكُوفَةِ، فَطَعَنَ ابْنُ مُلْجِمٍ عَلِيًّا، وَهُوَ خَارِجٌ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ بِخِنْجَرٍ قَدْ سَمَّهُ أُسْبُوعًا، وَقَالَ عَلِيٌّ لَمَّا طُعِنَ إِنْ أَنَا شُفِيْتُ فَأَنَا حَجِيجُهُ، وَإِنْ أَنَا مِتُّ فَاقْتُلَاه بِي (يُخَاطِبُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ) .
فَقَالَ ابْنُ مُلْجِمٍ: لَا وَاللهِ فِإِني سَمَمْتُهُ جُمُعَةً (يُرِيدُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ) .
فَلَمَّا مَاتَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَاءُوا فَقَطَعُوا يَدَيِ ابْنِ مُلْجِمٍ وَسَمَلُوا عَينَيْهِ وَهُوَ ثَابِتٌ لَمْ يَجْزَعْ، فَلَمَّا أَرَادُوا قَطْعَ لِسَانِهِ خَافَ قَالُوا: الْآنَ؟ قَالَ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ أَعِيشَ فَتْرةً لَا أَذْكُرُ اللهَ فِيهَا!.