تَجْعَلُنِي أَنَا وَمُعَاوِيَةَ؟ قَالَ أَبُو مُوسَى: إِنْ يَسْتَعِنْ بِكُمَا فَفِيكُمَا الْمَعُونَةُ، وَإِنْ يَسْتَغْنِ عَنكُمَا فَطَالَمَا اسْتَغْنَى أَمْرُ اللهِ عَنكُمَا (1) . ثُمَّ انْتَهَى الْأَمْرُ عَلَى هَذَا فَرَجَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِهذَا الْخَبَرِ وَرَجَعَ أَبُو مُوسَى إِلَى عَلِيٍّ بِهِ.
والرِّوَايَةُ الْأُولَى لَاشَكَّ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَوَّلًا: السَّنَدُ ضعِيفٌ فِيهِ أَبُو مِخْنَفٍ الْكَذَّابُ.
ثَانِيًا: خَلِيفَةُ الْمُسْلِمينَ لَا يَعْزِلُهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَلَا غَيْرُهُ، إِذْ لَا يُعْزَلُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ.
فَكَيْفَ يَتَّفِقُ رَجُلَانِ عَلَى عَزْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، هَذا كَلَامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالَّذِي وَقَعَ فِي التَّحْكِيمِ هُوَ أَنَّهُما اتَّفَقَا عَلَى أَن يَبْقَى عَلِيٌّ فِي الْكُوفَةِ وَهُوَ خَلِيفَةُ الْمُسْلِمينَ وَأَنْ يَبْقَى مُعَاوِيَةُ فِي الشَّامِ أَمِيرًا عَلَيْهَا، وَأَنْ تَتَوَقَّفَ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا.
ثَالِثًا: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
رَجعَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى الْكُوفَة، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَكَانُوا قَدْ
(1) انْظُرْ تَفْصِيلَ قَضِيَّةِ التَّحْكِيمِ فِي كِتَاب « مَرْوِيَّات أَبِي مِخنَفٍ فِي تَارِيخ الطَّبَرِيِّ » وَقَدْ عزاه إِلَى « التَّارِيخِ الْكَبِير » (5/398) . وَانْظُرْ « تارِيخ دِمَشقَ » (46/175) - تَرْجَمَة: عَمْرو بْن الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.