وَقِصَّةُ التَّحْكِيمِ الْمَشْهُورَةِ هِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ اتَّفَقَ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَلَى عَزْلِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، فَصَعِدَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ الْمِنْبَرَ وَقَالَ: أَنَا أَنْزِعُ عَلِيًّا مِنَ الْخِلَافَةِ كَمَا أَنْزِعُ خَاتَمِي هَذَا، ثُمَّ نَزَعَ خَاتَمَهُ، وَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَقَالَ: وَأَنَا أَنْزِعُ عَلِيًّا كَذَلِكَ كَمَا نَزَعَهُ أَبُو مُوسَى وَكَمَا أَنْزِعُ خَاتَمِي هَذَا، وَأُثبِّتُ مُعَاوِيَةَ كَمَا أُثَبِّتُ خَاتَمِي هَذَا.
فَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَخَرَجَ أَبُو مُوسَى غَاضِبًا وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى عَلِيٍّ فِي الْكُوفَةِ، وَرَجَعَ عَمْرُو بْن الْعَاصِ إِلَى الشَّامِ (1) .
هَذِهِ الْقِصَّةُ مُزَوَّرَةٌ مَكْذُوبَةٌ، بَطَلُهَا أَبُو مِخْنَفٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. وَالْقِصَّةُ الصَّحِيحَةُ كَمَا رَوَاهَا أَهْلُ الْحَقِّ: وَهِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ الْتَقَى مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَقَالَ: مَا تَرَى فِي هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ أَبُو مُوسَى: أَرَى أَنَّهُ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُمْ (2) ، فَقَالَ عَمْرُ وَبنُ الْعَاصِ: فَأَينَ
(1) « تَاريخ الطَّبَرِيِّ » (4/51) ، وَ « الْكامل فِي التَّارِيخ » (3/168) .
وعَمْرو بْن الْعَاصِ: صحابي جليل هَاجَر طوعا لَا كرهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي الْمُهَاجِرِينَ نفاق لعدم الْحَاجَة إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ النِّفَاق فِي أَهْل الْمَدِينَةِ وَذَلِكَ أَن أشراف مَكَّة وَكُبَرَاءهَا كَانُوا كفارا وَكَانَ الْمؤمن يؤذى فأنى يتأتى النِّفَاق؟! وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « ابْنا الْعَاصِ مؤمنان عَمْرٌو وَهِشَام » رَوَاه أَحْمَد (2/304) .
(2) يقصدُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.