وَمُعَاوِيَةُ كَانَ يَرَاهُ نَظَرِيًّا فَلَمَّا آلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ رَآهُ وَاقِعًا، نَعَمْ مُعَاوِيَةُ أَرْسَلَ مَنْ قَتَلَ بَعْضَهُمْ وَلَكِنْ بَقِيَ آخَرُونَ إِلَى زَمَنِ الْحَجَّاجِ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْن مَرْوَان حَتَّى قُتِلَ آخِرُهُمْ.
الْمُهِمُّ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَا كَانَ يَسْتَطِيعُ أَن يَقْتُلَهُمْ، لَيْسَ عَجْزًا وَلَكِنْ خَوْفًا عَلَى الْأُمَّةِ.
كَانَ مُعَاوِيَةُ قَدِ امْتَنَعَ عَنِ الْمُبَايَعَةِ لِعَلِيٍّ حَتَّى يَتِمَّ الْقِصَاصُ لِعُثْمَانَ فَلَمَّا انْتَهَى عَلِيٌّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْجَمَلِ قَالَ: لَابُدَّ أَنْ يُبَايِعَ مُعَاوِيَةُ الْآنَ، وَجَهَّزَ الْجَيْشَ لِمُقَاتَلَةِ مُعَاوِيَةَ أَوْ يُبَايِع، فَخَرَجَ عَلِيٌّ بِجَيْشٍ قِوَامُهُ مِئَةُ أَلْفٍ إِلَى صِفِّينَ فِي الشَّامِ، فَلَمَّا سَمِعَ مُعَاوِيَةُ بِخُرُوجِ عَلِيٍّ إِلَى قِتَالِهِ صَعِدَ الْمِنْبِرَ وَقَالَ: إِنَّ عَلِيًّا نَهَدَ إِلَيكُم فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ فَمَا الرَّأْيُ؟ فَضَرَبَ النَّاسُ بِأَذْقَانِهِم عَلَى صُدُورِهِم (2) فَقَامَ ذُو الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ فَقَالَ: عَلَيْكَ الرَّأْيُ وَعَلَيْنَا الْفِعَالُ، وَالنَّاسُ سُكُوتٌ.
وصَعِدَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حِمدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ نَهَدَ إِلَيْكُمْ فِي أَهْلِ الشَّامِ فَمَا الرَّأْيُ؟ فَأَضَبَّ أَهْلُ
(1) « صِفِّين » : قرب الرّقة بِجَانِب نهر الْفرات. وَهِيَ حاليا فِي سوريا.
(2) يَعْنِي نزّلوا رُءُوسهم لَنم يرفع إِلَيْهِ أَحَد طَرْفَهُ.
(3) يَعْنِي ارتفعت أَصْوَاتُهم.