وَطَعَامًا وَتَرْجِعُونَ إِلَى بِلَادِكُمْ، فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ بَعَثْنَا لَكُمْ بِمِثْلِهَا.
فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْنَا مِنْ بِلَادِنَا مَا ذَكَرْتَ، غَيْرَ أَنَّا قَوْمٌ نَشْرَبُ الدِّمَاءَ، وَأَنَّهُ بَلَغَنَا أَن لَا دَمَ أَطْيَبُ مِنْ دَمِ الرُّومِ فَجِئْنَا لِذَلِكَ.
ثُمَّ تَفَارَقَا، وَتَنَازَلَ الْأَبْطَالُ، وَتَجَاوَلُوا فِي الْحَرْبِ، وَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ. وَأَقْبَلَتِ الرُّومُ رَافِعَةً صُلْبَانَهَا وَلَهُمْ أَصْوَاتٌ مُزْعِجَةٌ كَالرَّعْدِ وَالْقَسَاوِسَةُ وَالْبَطَارِقَةُ تُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَهُمْ فِي عَدَدٍ وَعُدَّةٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الرُّومِ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَانْكَشَفَ الرُّومُ وَفَرُّوا، وَانْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ بِنَصْرٍ سَاحِقٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
* مَوَاقِفُ بُطُولِيَّةٌ:
قَامَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ فَقَالَ: قَاتَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِنَ وَأَفِرُّ مِنْكُمُ الْيَوْمَ؟ ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَمَعَهُمَا أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ فُرْسَانِ الْمُسْلِمينَ، وَقَاتَلُوا قِتَالًا مَرِيرًا حَتَّى قُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّهُمْ لَمَّا صُرِعُوا اسْتَسْقَوُا الْماءَ، فَجِيءَ إِلَيْهِمْ بِشَرْبَةٍ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُؤْثِرُ أَخَاهُ عَلَى نَفْسِهِ، حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا وَلَمْ يَشْرَبْ مِنْهُمْ أَحَدٌ (1) . وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ (كَنِيسَةَ يُوحَنَّا) فَقَسَمُوهَا نِصْفَيْنِ، وَجَعَلُوا نِصْفَهَا (مَسْجِدًا) وَنِصْفَهَا الْآخَرَ (كَنِيسَةً) ، وَالْمَسْجِدُ يُسَمَّى الْيَوْمَ بِجَامِعِ دِمَشْقَ.
(1) تَارِيخ الطَّبَرِيِّ أَحْدَاث 13 هـ، وَالبِدَايَة وَالنِّهَايَة أَحْدَاث 13 هـ.