ولكن قد يقال إن هذين الوجهين حديثان مختلفان ، مدار كلٍ منهما على سعيد بن مسروق الثوري ، والحجة في هذا أن بين لفظيهما اختلاف ظاهر ، فحديث رافع بن خديج في قسمة غنائم حنين ، والمقسوم فيه إبل ، وليس فيه ذكر للخوارج ، وفيه ذكر مرداس وما قاله في ذلك من أبيات شعر ، وإن كانت الأبيات قد تكون مدرجة في الحديث كما تدل له رواية الحميدي ، عن ابن عيينة ، وذُكِرَ فيه - أيضًا - بعض من لم يذكر في حديث أبي سعيد .
وأما حديث أبي سعيد فهو في قسمة الذهيبة التي أرسلها علي من اليمن ، وفيه قصة الخوارج ، وسياقه ظاهر الاختلاف عن حديث رافع بن خديج ، مما يدل على أنهما حديثان مختلفان .
وهذا هو الذي ذهب إليه مسلم ، فإنه أخرج حديث رافع بن خديج في صحيحه ، من طريق سعيد بن مسروق ، وأخرج حديث أبي سعيد من طريق سعيد بن مسروق - أيضًا - ومن طريق غيره ، ومقتضى ذلك أنهما حديثان مختلفان وكلاهما صحيح عنده .
فهذان احتمالان في هذا الحديث ، فيقوي ما ذهب إليه أبو زرعة أن مدار الحديث واحد ، وأصل موضوعه واحد ، وهو إعطاء جماعة من رؤوس العرب تأليفًا لقلوبهم ، ومقتضى ذلك أن يكون ما وقع في حديث رافع بن خديج من المخالفة في السياق وهمًا - أيضًا - ، خاصة ما كان الاختلاف فيه شديدًا .
ويقوي ما ذهب إليه الإمام مسلم أن في سياق القصتين ما يقتضي أنهما حادثتان مختلفتان ، وإن وقع بينهما اتفاق في أسماء بعض المعطين .
ومما ينبغي التذكير به أن مثل هذه المسألة كثيرًا ما تختلف فيها أنظار الأئمة النقاد ، فمنهم من يجعلهما حديثين مختلفين ، تمسكًا بما وقع بينهما من اختلاف في السياق ، ومنهم من يجعلهما حديثًا واحدًا ويعل أحد الطريقين بالآخر - كما وقع في هذا المثال - .