إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدًا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .
أما بعد ، فإن البحث في السنة النبوية وعلومها من أعظم ما أنفقت فيه ساعات العمر المحدودة ، وأيامه المعدودة ، ذلك أن السنة النبوية هي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم ، وهي الوحي الثاني ، والحكمة التي أنزلها الله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - .
فلا عجب أن يتسابق علماء هذه الأمة وأئمتها في جميع عصورها على المساهمة في خدمة السنة النبوية، جمعًا لها، وحفظًا ، ورواية ، وفقهًا في معانيها ، ونظرًا في مدلولاتها، ونشرًا ، وتأليفًا ، بل لا عجب أن يهتموا بكل ما يمت إلى السنة النبوية بصلة .
وما ذلك إلا لأجل حفظ هذه السنة ، وتبليغها للأجيال اللاحقة ، وصيانتها عن أن يدخل فيها ما ليس منها ، ولا شك أن الله قد تكفل بذلك إذ السنة أصل ومصدر لهذا الدين لا يقوم إلا به ، ولكن اقتضت حكمة الله تعالى ورحمته أن يستعمل من شاء من عباده في ذلك ، منةً منه وفضلًا على هذه الأمة المرحومة ، فلله الحمد أولًا وآخرًا .
هذا ، وقد تشعبت علوم السنة وتنوعت ، حتى غدا حصر أنواع ذلك والإحاطة به بتفاصيله عسيرًا ، وإنما علوم السنة كالبحر الذي لا ساحل له ، وما من نوعٍ من هذه الأنواع إلا وهو كفيل بأن يستوفي لحظات العمر ولما يبلغ الطالب فيه نهايته ، بل غايته منه وأمنيته ، كعلم الرجال مثلًا ، تعديلًا وتجريحًا ، وجمعًا وتفريقًا ... وغير ذلك .
ولكن هذه العلوم متماسكة وآخذ بعضها ببعض ، بحيث لا يمكن للناظر أن ينال بغيته في واحدٍ من هذه الأنواع دون أن يخوض في غيره من أنواع علوم السنة الأخرى .