وقد رأيت أن علم العلل من أدق علوم السنة مسلكًا ، وأقلها سالكًا - كما وصفه بذلك غير واحدٍ من الأئمة - ورأيت هذا العلم لا يدع نوعًا من أنواع علوم السنة ولا فنًا من تلك الفنون إلا وداخله وخالطه ، فصار الباحث فيه محتاجًا للنظر في جميع تلك الأنواع ، وزائدًا عليها أعمق شيء يبنى عليها ، وهو علم العلل ذاته .
وكانت رسالتي للماجستير في هذا العلم - أيضًا- وقد أفدت منها - بحمد الله - كثيرًا، وازددت رغبة في هذا العلم ، وإيمانًا بأهميته ، وإجلالًا لأئمته .
فمن هنا حرصت على أن يكون بحثي في هذه المرحلة - أيضًا - في هذا العلم الدقيق ، وكان أن وفق الله لأن يكون ذلك عبر ديوان عظيم مما كتب في هذا العلم ، وهو كتاب"علل الحديث"للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة 327 - رحمه الله - ، وكان نصيبي:"علل أخبار رويت في مناسك الحج وآدابه وثوابه ونحو ذلك"بكامله ، وجزء من الكتاب الذي بعده ، وهو:"علل أخبار رويت في الغزو والسير".
وتتلخص أهمية هذا الموضوع بالأمور التالية:
1-ما سبقت الإشارة إليه أن علم العلل أدق علوم الحديث وأغوصها ، وأن البحث فيه يستلزم البحث في بقية علوم الحديث ، بل وفي فقه الحديث ، إذ من العلل الواردة في الأحاديث ما لا يمكن كشفه وبيانه إلا بعد طول بحث ونظر ، وهذا من أهم ما ينفع الباحث ، وإن كان فيه عناء ومشقة .
2-أن كتاب"علل الحديث"لابن أبي حاتم أصل في المؤلفات في هذا الموضوع لجلالة مؤلفه وجلالة شيخيه الذين تدور عليهما أغلب مادة هذا الكتاب ، وهما: أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، مع ضخامة الكتاب، وثرائه بالمادة العلمية، واشتماله على عامة أنواع العلة بحيث يتسنى للباحث النظر في ذلك أجمعه .