وبهذا يتبين أن فيما نسبه أبو حاتم للكوفيين والبصريين إشكالًا ، فما نسبه للبصريين لا يروى إلا من وجهٍ ضعيف عن عوف ، فقد تفرد به إسحاق الأزرق ، وهو وإن كان ثقة إلا أنه قد خالفه الجماعة وهم: معتمر ، وهشيم ، وابن أبي عدي ، فروايتهم أولى بالصواب . وإنما يرويه عن أبي العالية الكوفيون ومنهم الأعمش ، وفطر بن خليفة ، وكذا القول فيما نسبه أبو حاتم للكوفيين فإنما هو الوجه المحفوظ عن عوف وهو بصري ، فإما أن يكون أبو حاتم اطلع على طرقٍ أخرى للحديث لم أطلع عليها ، أو يكون انقلب الأمر في نسبة الوجهين ، وقد يكون ذلك من النساخ ، فإن نسخ الكتاب ليست بمتقنة ، وربما اتفقت على الخطأ .
أما ما يتعلق بالترجيح بين هذين الوجهين فإن أبا حاتم رجح ما يرويه البصريون - فيما نسبه إليهم ، وهو الوجه الثاني - لأن البصريين أعلم بزياد بن حصين حيث أنه بصري - أيضًا - .
وبناءً على هذا فإن كان قد وقع في نسبة الوجهين قلب ينقلب الترجيح - أيضًا - فيكون الراجح هو الوجه الثالث بذكر أبيه ، لأنه رواية عوف بن أبي جميلة وهو بصري .
وبما أن النسبة للكوفيين والبصريين غير متحررة فينبغي أن يكون الترجيح بين هذين الوجهين من غير هذه القرينة ، والذي يظهر من النظر أن الوجه الثاني بجعله عن زياد بن الحصين ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس أقوى ، حيث اتفق عليه الأعمش ، وفطر بن خليفة ، وهما ثقتان ، ثم إنه قد روي من حديث أبي العالية من غير هذا الطريق، فقد رواه قتادة ، عن رجلٍ عن أبي العالية ، وهذا مرجح خارج عن محل الاختلاف ، على أنه يحتمل أن يكون هذا الرجل المبهم زياد بن الحصين ، فإن كان هو فإنه موافق لما ذكره أبو حاتم من أن رواية البصريين عن زياد بن حصين ، عن أبي العالية ، لأن قتادة بصري .
وعلى كل حالٍ فإن الظاهر أن الراجح في هذا الإسناد الوجه الثاني، وهذا ظاهر كلام أبي حاتم على ما فيه من الإشكال ، وهذا إسناد لا بأس به . والله أعلم .