فتحصل من ذلك أن هذا الحديث روى عن نافع على ثلاثة أوجه ، وهي:
الوجه الأول: عن نافع ، عن ابن عمر ، أن عمر ... وهذه رواية مالك - فيما رواه عنه الأويسي ، ومحمد بن الحسن ، والقعنبي - وهي رواية عبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة .
الوجه الثاني: عن نافع ، عن أسلم، أن عمر ... وهذه رواية مالك - فيما رواه عنه أبو مصعب الزهري ، ويحيى بن بكير - .
الوجه الثالث: عن نافع ، أن عمر ... وهذه رواية أيوب السختياني .
فهذا حديث اختلف فيه الأكابر من أصحاب نافع ، فإن مالكًا ، وعبيد الله ، وأيوب هم أثبت أصحاب نافع ، وهم في الطبقة الأولى من أصحابه ، كما ذكر ابن المديني ، والنسائي، والدارقطني وغيرهم من الأئمة ، ( انظر: تسمية فقهاء الأمصار للنسائي ، وهو في آخر الضعفاء ص131 ، وسؤالات ابن بكير ص54 ، شرح العلل لابن رجب 2/615 و2/667 ) وقد اختلف الأئمة في المفاضلة بين هؤلاء الثلاثة إذا اختلفوا ، فمنهم من قدم أيوب كابن المديني ، ورواية عن أحمد ، ومنهم من قدم مالكًا ، كابن معين ، وعن أحمد رواية بتقديم عبيد الله ، وعن ابن معين رواية بعدم المفاضلة بين هؤلاء الكبار ( انظر شرح العلل 2/667 ) .
ولم أقف على كلامٍ لأحد من الأئمة في الموازنة بين أوجه الاختلاف في هذا الحديث على نافع ، إلا كلام أبي زرعة السابق ، وهو محمول على ما سبق ذكره ، والذي يظهر لي أن أرجح هذه الأوجه الثلاثة هو الوجه الأول، لأنه وجه اتفق عليه عبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة . وموسى وإن لم يكن في الطبقة العليا من أصحاب نافع ، فإنه من ثقات أصحابه ، ثم إنه وجه ثابت عن مالك من رواية ثلاثة من أصحابه .
أما أيوب فلعله قصر في هذا الحديث، أو تردد فيه فأرسله، فقد عرف عنه شدته في التحري ، وأنه إذا شك في شيء قصر به .