للبشرية كلها , وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء. كسب يرجح جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون , والمؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته
وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف. . وهذا هو الطريق. .
هذا هو الطريق كما يصفه الله للجماعة المسلمة الأولى , وللجماعة المسلمة في كل جيل.
هذا هو الطريق: إيمان وجهاد. . ومحنة وابتلاء. وصبر وثبات. . وتوجه إلى الله وحده. ثم يجيء النصر. ثم يجيء النعيم. . (الظلال)
وقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (146) سورة آل عمران
والمثل الذي يضربه لهم هنا مثل عام , لا يحدد فيه نبيا , ولا يحدد فيه قوما. إنما يربطهم بموكب الإيمان ; ويعلمهم أدب المؤمنين ; ويصور لهم الابتلاء كأنه الأمر المطرد في كل دعوة وفي كل دين ; ويربطهم بأسلافهم من اتباع الأنبياء ; ليقرر في حسهم قرابة المؤمنين للمؤمنين ; ويقر في أخلادهم أن أمر العقيدة كله واحد. وإنهم كتيبة في الجيش الإيماني الكبير: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير. فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا) . .
.وكم من نبي قاتلت معه جماعات كثيرة. فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم من البلاء والكرب والشدة والجراح. وما ضعفت قواهم عن الاستمرار في الكفاح , وما استسلموا للجزع ولا للأعداء. . فهذا هو شأن المؤمنين , المنافحين عن عقيدة ودين. .
(والله يحب الصابرين) . .
الذين لا تضعف نفوسهم , ولا تتضعضع قواهم , ولا تلين عزائمهم , ولا يستكينون أو يستسلمون. . والتعبير بالحب من الله للصابرين. له وقعه. وله إيحاؤه. فهو الحب الذي يأسو الجراح , ويمسح على القرح , ويعوض ويربو عن الضر والقرح والكفاح المرير! (الظلال)
فهو قدر من الله تعالى، فلنمت في ساحات الوغى موتة الشرفاء الأعزاء الخالدين قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} (145) سورة آل عمران
إن لكل نفس كتابا مؤجلا إلى أجل مرسوم. ولن تموت نفس حتى تستوفي هذا الأجل المرسوم. فالخوف والهلع , والحرص والتخلف , لا تطيل أجلا. والشجاعة والثبات والإقدام والوفاء لا تقصر عمرا. فلا كان الجبن , ولا نامت أعين الجبناء. والأجل المكتوب لا ينقص منه يوم ولا يزيد!
بذلك تستقر حقيقة الأجل في النفس , فتترك الاشتغال به , ولا تجعله في الحساب , وهي تفكر في الأداء والوفاء بالالتزامات والتكاليف الإيمانية. وبذلك تنطلق من عقال الشح والحرص , كما ترتفع على وهلة الخوف والفزع. وبذلك تستقيم على الطريق بكل تكاليفه وبكل التزاماته , في صبر وطمأنينة , وتوكل على الله الذي يملك الآجال وحده.
ثم ينتقل بالنفس خطوة وراء هذه القضية التي حسم فيها القول. . فإنه إذا كان العمر مكتوبا , والأجل مرسوما. . فلتنظر نفس ما قدمت لغد ; ولتنظر نفس ماذا تريد. . أتريد أن تقعد عن تكاليف الإيمان , وأن تحصر همها كله في هذه الأرض , وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها ? أم تريد أن تتطلع إلى أفق أعلى , وإلى اهتمامات أرفع , وإلى حياة أكبر من هذه الحياة ?. . مع تساوي هذا الهم وذاك فيما يختص بالعمر والحياة ?!
(ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها. ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) .