فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 339

بسم الله الرحمن الرحيم

لعلّنا إذا استثنينا الغزوات التّي وقعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم.

لم نكد نعثر على غزوة تجلّت فيها صور التوفيق الإلهي وظهرت فيها معاني التّأييد الرّباني واضحة بارزة بادية للعيان مثل غزوة الحادي عشر من سبتمبر المباركة، وقد يعجب المرء كيف تُذكّره بغزوة بدر، وقد يزداد عجبا كيف يُذكّره أولئك النّفر التسعة عشر - الذين سدّد الله رميهم وأجاب دعوتهم - بأصحاب بدر.

ولكن سرعان ما يزول العجب وتنقشع الحيرة عندما يُعلم أنّ هؤلاء الفتية الّذين بهروا العالم يوم الثلاثاء المشهود بإيمانهم وشجاعتهم وذكائهم واحتقارهم للدّنيا وحرصهم على الشّهادة ليسوا سوى أحفاد أولئك المهاجرين والأنصار الّذين دوخوا العالم - هم بدورهم - يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، فتلك القيم والمعاني والأوصاف ذاتها.

فهؤلاء الأشبال حقاّ من أولئك الأسود، {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} ، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

لم يدم ذهول أمريكا طويلا بعد الضربة حتى تُحوّل ذهولها إلى غضب، ثمّ تحول غضبها إلى رغبة جامحة في الانتقام، فجنّ جنونها، وتشنّجت أعصابها وهدرت وزمجرت وتوعدت ثمّ صنعت تماما كما صنعت قريش، عقدت الأحلاف وجيّشت الجيوش ورصدت الأموال وقامت بغزو إمارة أفغانستان الإسلامية.

فلمّا أخزاها الله ولم تحقّق مرادها ونجّى الله الشّيخ أسامة بن لادن والملا محمد عمر - حفظهما الله - امتدّت أياديها الآثمة إلى بلاد الرّافدين، فدخلت العراق واستولت على مدنه واستحوذت على نفطه وأزاحت حكامه ونصّبت أذنابها حكاما عليه، وظنّت أنّ الأقدار قد واتتها وأنّها أحكمت على المسلمين قبضتها، وما علمت المسكينة أنّها وقعت على داهية وألقت بنفسها في نار حامية.

فلم تنعم أمريكا بمقامها في العراق طويلا حتّى تحرّك نحوها جند الله ومشت إليها عصابة الرسول، شباب تأجّجت في صدورهم الغيرة الدّينية، وحركت هممهم الحمية الإسلامية فتجرّؤوا على أمريكا وما تمثله من رموز القوة المادية والتفوق التكنولوجي والعلو والاستكبار فمرّغوا أنفها في التراب، وداسوا كبرياءها بنعالهم وذبحوا غطرستها بسكينهم وتركوها مضربا للأمثال، وأعطوها دروسا رائعة ليس في الشجاعة والاستخفاف بالموت فحسب، بل وفي فن القتال وطرق القتال وأنواع القتال أيضا.

ولاشك أنّ الجيش الأمريكي خصوصا وجيوش التحالف عموما - بعد أن تعلموا على أيدي المجاهدين في العراق الشيء الكثير ولُقّنوا الدّرس تلو الدّرس - سيقومون بمراجعة شاملة لمناهج التّدريس في كلياتهم الحربية ويعيدون النّظر في وظيفة مراكزهم العليا للدّراسات الإستراتيجية.

كيف لا؟! وقد أدركت أمريكا أنّ منظومتها الدّفاعية الّتي أنفقت عليها الأموال الطّائلة صارت في العراق غير ذات جدوى، وأثبتت عجزها أمام"الصّواريخ"الّتي يقودها"المشتاقون إلى الجنّة"فتبخّر برنامج حرب النّجوم، وتعطّلت شبكة صواريخ"الباتريوت"وبطل مفعول القنابل"الذّكية"وأيقنت أمريكا أنّ ورطتها اليوم في العراق أجلّ وأخطر من ورطتها بالأمس في الفيتنام.

إن الحرب على العراق بقدر ما جاءت أحداثها ونتائجها على غير ما تصورّه الحلفاء المعتدون وخطّطوه وتمنّوه، بقدر ما كانت كذلك مفاجئة لجمهور المسلمين الذين لم يشاهدوا في بلدانهم منذ أجيال وأجيال إلا جيوشا من أشباه الرجال لم يتدرّبوا إلاّ على قمع شعوبهم وقهرهم والتصدّي للمؤمنين من أبناء ملّتهم وقتلهم، ولم يسمعوا من أشباه العلماء إلاّ خطبا تزهّد الناس في الجهاد وتزيّن لهم الركون إلى الظلمة وتدعوهم إلى الاستسلام للكفرة، فكانت هذه الحرب وما حملته من أحداث جبرا لقلوب المسلمين وشفاء لصدورهم، وكانت نارها المتأجّجة سببا لإزالة صديد التصوّرات الفاسدة التي علقت بأذهانهم، وسببا لتنقية شوائب العقائد الباطلة التي تسلّلت إلى قلوبهم.

فقد بدت هذه الأحداث وكأنّها كافية لتعيد للأمة الإسلامية ثقتها بدينها وبأبنائها وبعدالة قضيتها، وكافية لتملأ قلبها إيمانا ويقينا وتزيدها رضى بالإسلام دينا.

إن حروب الإسلام في هذه الأيام كثيرة، ولكن أهمّ حرب على الإطلاق هي حرب العراق، ومعارك العراق اليوم كثيرة وتبقى أهم ّ معركة على الإطلاق هي معركة الفلّوجة.

فالفلوجة بما أظهرته من شجاعة وثبات أمام العدوّ الصائل، وصمود ومقاومة"للوحش الغاضب"وبما أصابها من دمار وخراب على أيدي"العالم الحر المتمدّن"؛ صارت رمزا لكل المسلمين، وصارت ملحمة الفلّوجة من الأيام الخالدات التي سيسجّلها التاريخ كما سجّل أيام القادسية واليرموك وحطين وعمورية وغيرها من مفاخر الإسلام، فالفلّوجة في زمن"الزرقاوي"تشبه حطين في زمن صلاح الدين.

فجدير بكل مسلم غيور على دينه ناصح لأمته حريص على سلامة أرضه ووطنه أن لا يدع هذه الأحداث تمرّ عليه دون تدبّر وتفكّر.

فكم في ملاحم العراق من آيات للإعتبار ودروس للإدّكار! قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} .

فالحذر الحذر - أخ الإسلام - أن تكون من الغافلين، وإذا ذكرت فإيّاك ثمّ إيّاك وأن تكون من المعرضين، فإن الله تعالى قد ذمّ أقواما فقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} .

تأليف؛ محمد أبي عبد الله

اللجنة الإعلامية للجماعة السلفية للدعوة والقتال

الطبعة الأولى، جمادى الثانية / 1426 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت