فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 339

وشتان بين حياة وحياة! وشتان بين اهتمام واهتمام! - مع اتحاد النتيجة بالقياس إلى العمر والأجل - والذي يعيش لهذه الأرض وحدها , ويريد ثواب الدنيا وحدها. . إنما يحيا حياة الديدان والدواب والأنعام! ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب. والذي يتطلع إلى الأفق الآخر. . إنما يحيا حياة"الإنسان"الذي كرمه الله واستخلفه وأفرده بهذا المكان ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب. . (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) . .

(وسنجزي الشاكرين) . .

الذين يدركون نعمة التكريم الإلهي للإنسان , فيرتفعون عن مدارج الحيوان ; ويشكرون الله على تلك النعمة , فينهضون بتبعات الإيمان. .

وهكذا يقرر القرآن حقيقة الموت والحياة , وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء , وفق ما يريدونه لأنفسهم , من اهتمام قريب كاهتمام الدود , أو اهتمام بعيد كاهتمام الإنسان! وبذلك ينقل النفس من الإنشغال بالخوف من الموت والجزع من التكاليف - وهي لا تملك شيئا في شأن الموت والحياة - إلى الإنشغال بما هو أنفع للنفس , في الحقل الذي تملكه , وتملك فيه الاختيار. فتختار الدنيا أو تختار الآخرة. وتنال من جزاء الله ما تختار! (الظلال)

قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} (144) سورة آل عمران

إن محمدا (صلى الله عليه وسلم) ليس إلا رسولا. سبقته الرسل. وقد مات الرسل. ومحمد (صلى الله عليه وسلم) سيموت كما مات الرسل قبله. . هذه حقيقة أولية بسيطة. فما بالكم غفلتم عنها حينما واجهتكم في المعركة ?

إن محمدا رسول من عند الله , جاء ليبلغ كلمة الله. والله باق لا يموت , وكلمته باقية لا تموت. . وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل. . وهذه كذلك حقيقة أولية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول. وما ينبغي للمؤمنين أن يغفلوا عن هذه الحقيقة الأولية البسيطة!

إن البشر إلى فناء , والعقيدة إلى بقاء , ومنهج الله للحياة مستقل في ذاته عن الذين يحملونه ويؤدونه إلى الناس , من الرسل والدعاة على مدار التاريخ. . والمسلم الذي يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان أصحابه يحبونه الحب الذي لم تعرف له النفس البشرية في تاريخها كله نظيرا. الحب الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة. وقد رأينا أبا دجانة يترس عليه بظهره والنبل يقع فيه ولا يتحرك! ورأينا التسعة الذين أفرد فيهم ينافحون عنه ويستشهدون واحدا إثر واحد. . وما يزال الكثيرون في كل زمان وفي كل مكان يحبونه ذلك الحب العجيب بكل كيانهم , وبكل مشاعرهم , حتى ليأخذهم الوجد من مجرد ذكره صلى الله عليه وسلم. . هذا المسلم الذي يحب محمدا ذلك الحب , مطلوب منه أن يفرق بين شخص محمد صلى الله عليه وسلم والعقيدة التي أبلغها وتركها للناس من بعده , باقية ممتدة موصولة بالله الذي لا يموت.

إن الدعوة أقدم من الداعية: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) . .

قد خلت من قبله الرسل يحملون هذه الدعوة الضاربة في جذور الزمن , العميقة في منابت التاريخ , المبتدئة مع البشرية , تحدو لها بالهدى والسلام من مطالع الطريق.

وهي أكبر من الداعية , وأبقى من الداعية. فدعاتها يجيئون ويذهبون , وتبقى هي على الأجيال والقرون , ويبقى أتباعها موصولين بمصدرها الأول , الذي أرسل بها الرسل , وهو باق - سبحانه - يتوجه إليه المؤمنون. . وما يجوز أن ينقلب أحد منهم على عقبيه , ويرتد عن هدى الله. والله حي لا يموت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت