فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 339

[الكاتب: عبد الآخر حماد الغنيمي]

في خضم هذه الأحداث الخطيرة والخطوب الجسيمة التي تحيط بالأمة الإسلامية هذه الأيام، والتي قد تكون بدايتها هذا العدوان الإجرامي على العراق وأهله بينما لا يعرف نهايتها إلا الله تعالى، أقول في خضم هذه الأحداث، تتأكد مسؤولية أهل العلم في تبصير الأمة بواجبها الذي ينبغي عليها القيام به في مثل هذه الظروف.

ومع أنه قد وُجد بحمد الله في أهل العلم والدعوة مَن صدع بالحق وأدان هذا العدوان الظالم، إلا أننا لاحظنا أن ثمة قصورًا واضحًا في خطاب بعض أهل العلم، كما لمسنا خللًا بينًا في مواقف آخرين؛ فقد اكتفى البعض بإدانة العدوان دون نصح حقيقي للأمة حول ما يجب عليها عمله في هذه الظروف.

بينما تشجع البعض فأفتى بوجوب الجهاد، لكنه حين سئل عن الموقف من القواعد الأمريكية المنتشرة في بعض البلدان العربية والتي انطلقت منها قوات الغزو الغاشم، راح يتهرب من الإجابة، معلنًا أنه لا يريد الدخول في هذا الموضوع.

وهناك من دعا للجهاد واستنفر الأمة إليه قائلًا؛ إن لم يجب الجهاد في مثل هذه الحالة فإنه لن يجب أبدًا، ومع ذلك فإنه وضع له شرطًا لا يمكن أن يتحقق وهو إذن الحكام فيه، ولست أدري كيف ينتظر من أولئك الحكام أن يأذنوا بالجهاد وهم يقمعون مجرد التظاهرات الداعية إليه؟!

وأغرب من ذلك كله تلك الفتاوى النشاز التي صدرت من بعض الدعاة المعادين للنظام العراقي وخصوصًا من الكويت والتي دعت لعدم مقاومة الأمريكان، على أساس أنهم جاؤوا مخلصين للشعب من ظلم صدام وبطشه.

هذه عينة لمواقف بعض المنتسبين للعلم الشرعي، ولعلها تصلح أمثلة لبيان شيء من القصور والخلل الذي أشرنا إليه في صدر هذا الحديث، وهذا ما حملني على أن أسطر هذه السطور محاولًا استجلاء بعض النقاط الشرعية المهمة المتعلقة بهذه النازلة فأقول وبالله التوفيق:

أولًا: لا بد من التأكيد بداية على أن من ألزم واجبات أهل العلم في هذه الآونة أن يبثوا في الأمة روح الجهاد، وأن يبينوا أن من أوجب الواجبات الآن أن تقاتل الأمة دفاعًا عن دينها وكرامتها، فإنه لا خلاف بين أئمة العلم والهدى في وجوب الجهاد، وكونه فرض عين إذا داهم العدو ديار المسلمين كما هو واقع الآن، وقد قال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39] ، وقال: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة:190] .

ويجب التنبيه هنا إلى أن وجوب الجهاد في هذه الحالة لا يشترط له ما يشترط في وجوب جهاد الطلب من شروط كالعدد والقدرة ونحو ذلك، بل يدفع بحسب الإمكان وبما تيسر من أدوات القتال. . .

قال شيخ الإسلام ابن تيميه: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء: أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده) [الاختيارات الفقهية ص: 309] .

وقال أيضًا: (فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم. . . وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب؛ كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج) [مجموع الفتاوى:28/ 358] .

ثانيًا: لا بد أن يعلم الدعاة وطلبة العلم وقادة الحركات الإسلامية، أنه إن قصر العلماء الرسميون في واجبهم، فليس هذا بمسوغ للتقاعس عن نصرة المسلمين، بل الواجب أن يقوم كل بما يستطيعه، ولنتذكر أنه لما قدم نابليون بجيوشه إلى مصر لم يقم كبار العلماء بواجبهم في قيادة الأمة وتوجيهها.

وليست صحيحة تلك المقولة التي راجت عند الكثيرين والتي مؤداها أن الذين قادوا ثورة الشعب ضد الفرنسيين كانوا هم كبار علماء الأزهر، فإن الصحيح أن الذين قادوا الثورة هم مجموعة من صغار وأواسط طلبة العلم.

أما الكبار فقد كانوا مشغولين بمعاونة المحتلين في شؤون الحكم من خلال عضويتهم في الديوان الذي أنشأه بونابرت لإدارة شؤون البلاد، ومن ثم راحوا يصدرون المنشورات الذليلة المضللة التي تدعو الشعب صراحة للاستسلام للغزاة وعدم الاستجابة لدعوات المطالبين بالجهاد ضد الكافرين، ولكن لما كانت الأمة لا زالت فيها بقية من خير فإنها لم تستمع - كما يقول الأستاذ محمود شاكر رحمه الله - (( للمشايخ المدجنين في الديوان لمهادنة الغازي، واستمعت لصغار طلبة العلم في الأزهر الذين رفضوا نصيحة المشايخ الكبار بمهادنة الفرنسيين، رفضوها طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقامت ثورة القاهرة والأقاليم ) ). [رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ص: 105] .

ثالثًا: من الأهمية بمكان أن يُعلم أنه ليس المقصود من هذه الدعوة الدفاعَ عن صدام ولا بعثه، وإنما مقصودنا الدفاع عن بلاد الإسلام وحفظ بيضة المسلمين إعلاءً لكلمة الله ورغبةً فيما عنده، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) ) [أخرجه البخاري (123) ومسلم (1904) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه] .

وقال: (( والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك ) ) [أخرجه البخاري (2803) ومسلم (1876) من حديث أبي هريرة] .

وعليه فلا بد من إخلاص النية لله عز وجل ونبذ كل دعوى غير الإسلام، ولسنا بمستطيعين بحال أن نطلق صفة المجاهد إلا على من أخلص نيته لله، مع أنه يمكنه الدفاع عن أرضه وعرضه وماله بشرط أن يستحضر في ذلك نية الجهاد في سبيل الله.

قال الحافظ ابن حجر: (وتوقف بعض المتأخرين في دخول من قاتل دون ماله-أي في كونه في سبيل الله - لأنه يقصد صون ماله بداعية الطبع، وقد أشار في الحديث إلى اختصاص ذلك بالمخلص، حيث قال:"والله أعلم بمن يكلم في سبيله"، والجواب أنه يمكن فيه الإخلاص مع إرادة صون المال كأن يقصد بقتال من أراد أخذه منه صون الذي يقاتله عن ارتكاب المعصية وامتثال أمر الشارع بالدفع، ولا يمحض القصد لصون المال، فهو كمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا مع تشوفه إلى الغنيمة) [فتح الباري: 9/ 661] .

رابعًا: ومن المهم أيضًا أن يُعلَم أنه يحرم القتال تحت راية غير إسلامية، بل لا بد من أن يكون الجهاد إسلامي الراية شرعي الغاية والهدف، وقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: (( ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّة، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل فقِتلَة جاهلية ) ) [أخرجه مسلم (1848) والنسائي (7/ 123) من حديث أبي هريرة] .

والذي نعلمه حتى الآن أن النظام في العراق لا يزال نظامًا بعثيًا مخالفًا لأمر الله تعالى، ولا زالت رايته تعد بعيدة عن كونها راية إسلامية؛ ولذلك فإن الأصل -حال الاختيار- عدم القتال تحت رايته، لكن لما كنا الآن في ظرف استثنائي لا يمكن فيه لمن أراد الجهاد في العراق أن يستقل براية إسلامية خالصة، فإن الذي أراه والله أعلم أنه بالنسبة لأبناء الشعب العراقي ومن كان متواجدًا من المسلمين هناك ساعة العدوان فإنه لا بأس من مشاركتهم في القتال ولو تحت راية النظام العراقي، مع ملاحظة أن يخلصوا نيتهم لله وأن يجعلوا هدفهم إعلاء كلمة الله لا الذود عن نظام غير إسلامي.

أما بالنسبة للراغبين في الجهاد من خارج العراق: فلست أراهم مضطرين للذهاب إلى العراق للقتال تحت راية غير إسلامية، وعليهم إن كانوا جادين حقًا في أمر الجهاد أن يواجهوا العدو الأمريكي والبريطاني في أي مكان يستطيعونه، ومن الممكن استهداف أولئك المعتدين حيثما وجدوا وأينما كانوا، وقد قال تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) [التوبة:5] .

والاحتلال الأمريكي قائم في كثير من أرض الإسلام وقواعدهم العسكرية منتشرة بالعشرات بل بالمئات من طنجة إلى جاكرتا، وهذا التواجد العسكري هو بحد ذاته عدوان على أرض الإسلام، والواجب إخراج قوات الكافرين من أرض الإسلام ومقاومة هذا الوجود بكل السبل المتاحة.

خامسًا: مما ينبغي أن يعلم أنه لا بأس بإعانة ظالم على ظالم، أو حتى كافر على كافر آخر إذا كان في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين، وهي مسألة تختلف عن مسألة القتال تحت راية غير إسلامية التي سبقت الإشارة إليها، وكلام من منع ذلك من أهل العلم مبني على أن لا يكون في ذلك مصلحة للمسلمين، فينتهي الأمر إلى أن يكون القتال من أجل إعلاء كلمة الشرك، أما إن كانت إعانة أحد الفريقين فيها دفع لضرر عن المسلمين فلا بأس بذلك، بشرط أن لا يفرط المسلمون في دينهم ولا يبدو منهم الرضا بكفر الكافر،

ففي الحديث قوله: (( ستصالحون الروم صلحا آمنا فتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم فتنصرون وتغنمون وتسلمون ثم ترجعون. . . ) ) [أخرجه أبو داود (2767) ، (4292) وابن ماجه (4089) وأحمد (4/ 91) من حديث ذي مخبر، وصححه ابن حبان (15/ 101) والألباني في صحيح سنن أبي داود (2472) ] .

وقد حدثنا التاريخ أن العاضد آخر خلفاء بني عبيد -الذين كانوا يسمون أنفسهم بالفاطميين- قد استغاث حين دهمه الصليبيون بالسلطان العادل نور الدين محمود، وأرسل له بشعور نسائه يقول: أدركني واستنقذ نسائي من أيدي الفرنج، وقد استجاب له نور الدين رحمه الله فأرسل له جيشًا بقيادة أسد الدين شيركوه، ومعه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، ومعلوم كفر هؤلاء العبيديين وفتاوى العلماء في أنهم كانوا خارجين عن شريعة الإسلام وأن قتالهم كان مشروعًا، كما في مجموع فتاوى شيخ الإسلام [28/ 636] .

وقد كان السلطان نور الدين عالمًا فقيهًا على مذهب أبي حنيفة كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية، ونقل عن ابن الأثير أنه لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز مثل الملك نور الدين ولا أكثر تحريًا للعدل والإنصاف منه، وصحيح أن تلك المساعدة من نور الدين محمود قد أدت فيما بعد إلى زوال حكم العبيديين، ولكن الجيوش توجهت إلى مصر أولًا بغرض حمايتها من الصليبيين، وظلت مصر كما هي تحت حكم العاضد، إلى أن هلك فاستحوذ صلاح الدين بالأمر من بعده.

وهذا يدل على بعد نظر نور الدين محمود وتلميذه صلاح الدين الأيوبي رحمهما الله، فقد نظرا إلى الخطر الداهم على بلاد الإسلام، ولم يمنعهما من القيام في وجهه أن يكون الحكم في مصر هم قوم من المرتدين، لأن القضية هنا قضية موازنة بين خطرين، فكانت الحكمة هي البدء بإزالة الخطر الأكبر إلى أن يسر الله تعالى إزالة الخطر الأصغر، وهكذا ينبغي أن يكون موقف الإسلاميين اليوم، والله المستعان.

ولا يشك عاقل في أن بقاء النظام العراقي مهما كان ظلمه وغشمه أهون حالًا من هذا الاستعمار الأمريكي الجديد الذي تشير كل التوقعات إلى عدم اكتفائه بإزاحة نظام صدام، بل إن هدفه يتعدى ذلك إلى استغلال ثروات المسلمين وإعادة تخطيط المنطقة بما يتوافق مع المصالح الأمريكية والصهيونية، وتصفية القضية الفلسطينية بما يتوافق مع الأحلام اليهودية في المنطقة، ومن هذا المنطلق كان مقياس المصالح والمفاسد يقول بأنه لا بد من جهاد هذا العدوان الأمريكي حتى لو كان في ذلك فائدة لصدام وحزبه، ثم لا ننسى ما أسلفناه من أن هذه الأرض المعتدى عليها هي جزء من دار الإسلام وشعبها في مجمله جزء من أمة الإسلام بغض النظر عن كون من توجهات الحكام وأفكارهم.

سادسًًاً: إن جانبًا كبيرًا من الخلل الذي أشرنا إليه في صدر هذا الحديث قد نشأ من جهة إضفاء صفة الشرعية على الحكام المخالفين لشرع الله، بحيث صارت بعض الفتاوى تتوجه إلى أولئك الحكام باعتبارهم ولاة الأمور الذين عليهم الوقوف في وجه العدوان، مع ما يظهر لكل منصف من أن أحسن أولئك الحكام حالًا هو من يعلن رفضه للعدوان لكنه من العجز والخور بحيث لا يستطيع أن يفعل شيئًا.

هذا ناهيك عمن فتحوا بلادهم لاستقبال الغزاة المجرمين، وذلك كله فضلًا عن أن النظر الشرعي الصحيح يؤكد أنه لا نصيب لهؤلاء الحكام من الشرعية بمعناها الإسلامي.

فقد سقطت شرعيتهم منذ أن خرجوا عن شريعة الله وتحاكموا إلى أهواء الناس وعقول البشر، وأي شرعية لمن خرج عن حكم الشرع، وتحاكم إلى شرائع الجاهلية فحرم ما أحل الله وأحل ما حرم الله وبدل شريعة الله؟

وقد قال تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون) [المائدة: 50] ، وقال تعالى: (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [المائدة:44] ، وقال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) [المائدة: 45] ، وقال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) [المائدة: 47] .

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في معرض نقده لفكرة القومية العربية، بعد ذكره لهذه الآيات: (( وكل دولة لا تحكم بشرع الله ولا تنصاع لحكم الله ولا ترضاه فهي دولة جاهلية كافرة ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات المحكمات، يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله وتحرم عليهم مودتها وموالاتها حتى تؤمن بالله وحده وتحكم شريعته وترضى بذلك لها وعليها ) ). [مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (1/ 309) ] .

وعلى ذلك فلا حجة لمن قال باشتراط إذن هؤلاء الحكام في أمر الجهاد، بل الصحيح أنه لا يوجد الآن إمام للمسلمين، وحالهم ينطبق عليه ما قاله الإمام ابن قدامة: (( فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره، وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع ) ) [المغني: 10/ 369] .

وقال الجويني: (( وإنما ينهى آحاد الناس عن شهر الأسلحة استبدادًا إذا كان في الزمان وزر قوام على أهل الإسلام، فإذا خلا الزمان عن السلطان وجب البدار حسب الإمكان إلى درء البوائق عن أهل الإيمان ) ) [غياث الأمم ص: 297] .

وبافتراض شرعية أولئك الحكام فإن اعتبار إذن الولاة ليس على إطلاقه، ولم يأت في النصوص الشرعية نص صريح يدل على هذا الشرط، وإنما اشترطه من اشترطه من أهل العلم من باب السياسة الشرعية، وبعضهم يجعل استئذانه من باب الأدب فقط، كما قال الجويني: (( أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر ومراجعة مرموق العصر، كعقد الجمع وجر العساكر إلى الجهاد واستيفاء القصاص في النفس والطرف فيتولاه الناس عند خلو الدهر ) ) [غياث الأمم ص: 279] .

ثم إننا الآن -وهذا هو المهم- في حالة جهاد دفع، وغالبية من يشترطون إذن الإمام يجعلونه في جهاد الطلب دون جهاد الدفع، والأصل في ذلك أنه مع تعين الجهاد لم يعد للحاكم خيار في القيام بأمر الجهاد من عدمه، والواجب عليه أن يدعو للجهاد فإن لم يفعل فقد قصر في ما أوجبه الله عليه ولا يجوز للأمة أن تتابعه في هذا التقصير بل يجب عليها القيام بأمر الجهاد ولو لم يأذن به الحاكم، لأن عدم إذنه بالجهاد في هذه الحالة معصية ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ولذلك فإنه لما نكص سلطان مصر الناصر محمد بن قلاوون عن نجدة أهل الشام لما قصدهم التتار فإن شيخ الإسلام ابن تيميه خرج إليه مطالبًا إياه بالخروج للقتال وقال له (( إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن، وقال لهم: لو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه واستنصركم أهله وجب عليكم النصر فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم ) ) [البداية والنهاية 14/ 15 - 17] .

وقال الشيرازي في المهذب: (( ويكره الغزو من غير إذن الإمام، أو الأمير من قبله؛ لأن الغزو على حسب حال الحاجة والإمام أعرف بذلك، ولا يحرم لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس، والتغرير بالنفس يجوز في الجهاد ) )، قال الشيخ نجيب المطيعي في شرح ذلك: (( أما كراهة الغزو إلا بإذن الإمام فحقًا، إلا إن تخاذل الإمام ونكص على عقبيه فقد وقع الفرض بالقتال على المسلمين فورًا ) ) [تكملة المجموع شرح المهذب (19/ 279) ] .

سابعًا: لا يصح الاكتفاء برفض هذا العدوان والتنديد به، ولا حتى تحريم التعاون معه بل لا بد من تنبيه الأمة إلى أن ما يقوم به بعض حكام العرب من فتح المطارات والموانئ أمام القوات الأمريكية والسماح لتلك القوات بالانطلاق من أراضيها لغزو العراق واستغلال ثروات المسلمين وإعادة صياغة المنطقة حسب المصالح الأمريكية واليهودية، هو من الأمور الخطيرة التي تمس أمر الاعتقاد في الصميم، وذلك لما دلت عليه النصوص الشرعية من أن مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين ناقض من نواقض الإيمان، ومخرج من ملة الإسلام، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) [المائدة: 51] ، وقال: (ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون" [المائدة:80، 81] ."

وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أن من أعظم نواقض الإسلام (( مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين ) )، قال: (( والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} . . . ) ) [مجموعة التوحيد ص: 23] .

وقد بين أهل العلم أن مظاهرة المشركين يدخل فيها كل معونة تقدم لهم ولو كانت مجرد كلام باللسان كإبداء رأي أو مشورة، أو نحو ذلك، فقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله - أحد أئمة الدعوة النجدية: أن من مبطلات الإيمان (( موالاة المشرك والركون إليه ونصرته وإعانته باليد أو اللسان أو المال، كما قال تعالى: {فلا تكونن ظهيرا للكافرين} [القصص:86] ... ) ) [الدرر السنية (11/ 300) ] .

وما أحوجنا اليوم إلى استحضار فتوى العلامة الشيخ أحمد شاكر التي كان قد أصدرها إبان الاحتلال الإنجليزي والفرنسي لبعض ديار الإسلام، وذلك حيث يقول رحمه الله:

(( أما التعاون مع الإنجليز بأي نوع من أنواع التعاون قل أو كثر فهو الردة الجامحة والكفر الصراح، لا يقبل فيه اعتذار ولا ينفع معه تأويل، ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء، ولا سياسة خرقاء، ولا مجاملة هي النفاق، سواء كان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء، كلهم في الكفر والردة سواء، إلا من جهل وأخطأ ثم استدرك أمره فتاب واتخذ سبيل المؤمنين فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم، إن أخلصوا من قلوبهم لله، لا للسياسة ولا للناس. . . ألا فليعلم كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض: أنه إذا تعاون مع أعداء الإسلام مستعبدي المسلمين من الإنجليز والفرنسيين وأحلافهم وأشباههم، بأي نوع من أنواع التعاون، أو سالمهم فلم يحاربهم بما استطاع، فضلًا عن أن ينصرهم بالقول أو العمل على إخوانه في الدين، أنه إن فعل شيئًا من ذلك ثم صلى فصلاته باطلة، أو تطهر بوضوء، أو غسل أو تيمم فطهوره باطل، أو صام فرضًا أو نفلًا فصومه باطل. . . ليس له في شيء من ذلك أجر، بل عليه فيه الإثم والوزر ) ) [كلمة الحق: ص: 130 وما بعدها] .

ثامنًا: وأخيرًا فلست أنسى أن أذكر إخواني المسلمين في كل مكان بواجباتهم الأخرى غير قضية الجهاد: كمقاطعة البضائع الأمريكية والبريطانية، والاجتهاد في الطاعات وعمل الصالحات وإصلاح ذات البين، كما أذكرهم بمداومة الدعاء على أعداء الله تعالى أن يخذلهم الله وأن يرد كيدهم إلى نحورهم وأن يرفع الضر والبلاء عن إخواننا المسلمين في كل مكان، وأن يقي أمة الإسلام مكر الماكرين وكيد الكائدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت