[الكاتب: عبد الآخر حماد الغنيمي]
يحكى أنه إبان الاحتلال البريطاني لمصر كان هناك أحد ضباط الاحتلال يأمر بعض مرؤوسيه المصريين من الضباط أو ضباط الصف بأن يجمعوا مجموعة من الوجهاء وكبراء القوم في بعض القرى أو المدن الصغيرة، ثم يسألوهم عن أشياء لا حقيقة لها، ثم يقوموا على إثر ذلك بضربهم وتعذيبهم، وبعد ساعات من الإهانة والتنكيل وحين يكون القهر والألم قد بلغ عند هؤلاء المعذَّبين مداه، يخرج عليهم هذا الضابط الإنجليزي متظاهرًا بأنه لم يكن يعلم بهذا الذي يجرى، ويبدأ في توجيه اللوم الشديد لأولئك الذين انتهكوا حقوق الإنسان، ولم يقدروا القوم حق قدرهم، ويأمر في الحال بإطلاق سراح أولئك السجناء، ولا ينسى أن يقدم اعتذاره لهم متوعدًا بإنزال أشد العقاب بأولئك المرؤوسين، وهنا ترتفع حناجر أولئك الأسرى هاتفة بحياة ذلك الضابط داعية له بطول البقاء.
بمثل منطق هذا الضابط الإنجليزي أراد الرئيس بوش أن يخدع العالم بعد ما نشرت وسائل الإعلام الغربية صورًا مقززة يظهر فيها الجنود الأمريكيون وهم يعذبون السجناء العراقيين في سجن أبي غريب ويمتهنون كرامتهم بأساليب تتنافى مع أدنى حقوق الإنسان؛ فقد سارع الرئيس الأمريكي إلى إجراء مقابلات مع بعض أجهزة الإعلام العربية ادعى فيها أنه لم يكن على علم بتلك الوقائع، وأنه رأى صور التعذيب لأول مرة عبر شاشات التلفاز، وأنه يشعر بالأسف والغثيان للمهانة التي تعرض لها هؤلاء الأفراد، وأن تحقيقًا شاملًا يجرى في الأمر.
كما ركز في أحاديثه على أن هذه الممارسات لا تمثل أمريكا - بلد العدالة والديمقراطية -
فقد قال في حواره مع رئيس تحرير جريدة الأهرام القاهرية والذي نشر بتاريخ [8/ 5/2004 م] : (ولكن أحد الأمور التي يجب أن تفهمها فيما يتعلق بدولتنا هو أننا نرفض هذا النوع من معاملة البشر، إنه أمر مثير للاشمئزاز، هذه ليست أمريكا، ويحب علي قرائك أن يفهموا أن ما حدث لا يمثل دولتنا) .
ولم ينس في ختام حديثه إلى جريدة الأهرام أن يعرفنا بإسلامنا وأن يحاول إقناعنا بأن ما تقوم به إدارته من ظلم وبطش بالمسلمين في كل مكان موجه فقط ضد من يسميهم بالإرهابيين، حيث قال: (هذه ليست حربا ضد المسلمين، إن الدين الإسلامي هو دين مسالم، الإسلام هو السلام، هذه حرب ضد أناس أشرار يريدون قتل الأبرياء، هذه هي حقيقة الموقف) .
تأسف لا اعتذار:
وأول ما يلفت النظر في أحاديث بوش أنه - وخلافًا لما ذكرته بعض أجهزة الإعلام - لم يعتذر عن الأفعال المشينة التي ارتكبها جنوده في سجن أبي غريب، وإنما اكتفى بإبداء أسفه على ما جرى للعراقيين حتى إنه حينما سأله الصحافي إبراهيم نافع سؤالًا مباشرًا: (هل تشعر أنك بحاجة للاعتذار للعراقيين وللعالم العربي بعد أن عبرتم عن أسفكم بالفعل؟) ، فإنه أجاب: (إنني بالفعل أشعر بالأسف لهؤلاء السجناء، إنني أشعر بذلك بالفعل) .
فهو يشعر - كما زعم - بالأسف لكنه لا يصرح بالاعتذار، وفارق كبير بين الأمرين، فالإنسان قد يأسف لرؤية منظر ما ويأسى له، لكن ذلك لا يعني أنه مسؤول عنه، أما الاعتذار فهو يعني تحمله المسؤولية أو جزءًا منها على الأقل، وبوش مسؤول بالفعل هو وإدارته عما ارتكبه جنوده مسؤوليةَ المتبوع عما ينتج عن أعمال تابعه، ولو لم يكن إلا ما ذكره بعض الجنود الأمريكيين من أن رؤساءهم لم يعرِّفوهم بما ينبغي عليهم فعله تجاه الأسرى لكان ذلك كافيًا في إدانة الإدارة الأمريكية، فكيف إذا علمنا أنه قد صدر قانون في أمريكا في [فبراير 2003 م] أي قبل العدوان على العراق يقضي بعدم محاكمة الجنود الأمريكيين على ما يفعلونه أثناء تأديتهم للخدمة العسكرية في العراق، ولمدة عامين كاملين؟
ولو كان بوش صادقًا في أسفه وحزنه لبادر على الأقل بإقالة وزير دفاعه - رامسفيلد - لأنه الوزير المسؤول عن أولئك الذين انتهكوا حقوق الإنسان، وكم من وزير في بلاد الغرب استقال بسبب أخطاء وقعت من بعض مرؤوسيه، لكن بوش لا يزال يضع ثقته في وزير دفاعه، ولا يزال واثقًا في جنوده الذين وصفهم في حديثه مع الأهرام بأنهم جيدون رائعون ذوي نيات الطيبة ويعملون بشكل يومي من أجل تحسين معيشة المواطنين العراقيين.
بل إننا لا نصدق أن الرئيس الأمريكي قد تأسف حقيقة لهذا الذي جرى، فلقد ثبت من خلال ما نشر عن هذه القضية أن الإدارة الأمريكية كانت تعلم بوقائع التعذيب منذ شهرين فبراير - شباط - ومع ذلك لم يأسَ بوش ولم يتأسف إلا بعد نشر الصور في أجهزة الإعلام، وهذا يدل على أن تحركه لم يكن إلا تحركًا لاحتواء فضيحة النشر لا أسفًا على حقوق الإنسان المهدرة.
بل هي أمريكا التي لم تتغير:
ذكر بوش كما أشرنا من قبل أن هذه الممارسات المهينة لا تمثل دولته، وأن هذه ليست أمريكا، ونحن نقول له بل هي أمريكا التي لم تتغير في عدائها للعرب والمسلمين، والتي لا تدع فرصة لإذلال المسلمين والتنكيل بهم إلا واهتبلتها، ومجازركم ضد أهلنا في أفغانستان والعراق وغيرهما معروفة مشهودة، ودعمكم اللامحدود لما يرتكبه اليهود من ظلم ضد أهلنا في فلسطين لا يمكن أن يمحى من ذاكرة أمتنا.
لكن بغض النظر عن مواقفكم من الإسلام والمسلمين فإن الذي يجب أن يُعلم أن تاريخ الولايات المتحدة منذ نشأتها لا ينفك عن الظلم والعدوان وانتهاك حقوق الآخرين:
· أو ليس الأمريكيون هم الذين قضوا على شعب بكامله هم الهنود الحمر؟
· أو ليس الأمريكيون هم الذين استعبدوا الملايين من الزنوج الذين جيء بهم من أفريقيا مكبلين بالسلاسل والقيود، ليتحملوا أشق الأعمال بلا مقابل إلا طعامهم وكسوتهم؟
· وهل هناك دولة استخدمت السلاح النووي إلا أمريكا؟
· وهل يمكن أن ينسى العالم ما أحدثتموه في هيروشيما ونجازاكي من الدمار الذي لا تزال آثاره باقية حتى الآن؟
إنهاء الاحتلال هو القضية:
إننا نحذر من أن يتم استغلال قضية تعذيب الأسرى لإضفاء الشرعية على الوجود الأمريكي في العراق، حيث يظن البعض أن المشكلة تكمن فقط في بعض انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان يمكن معالجتها بصورة أو بأخرى، بينما يتم غض الطرف عن القضية الأم وهي المتمثلة في وجود الاحتلال ذاته، هذا الاحتلال الذي يجب أن يزول، فليس من حق أولئك المعتدين أن يبقوا في أرضنا ساعة واحدة، حتى لو لم يحدث ذلك التعذيب.
وعليه فليس من حق بوش أن يمنَّ علينا قائلًا كما في حواره مع إبراهيم نافع: (في ظل نظام ديكتاتوري فإن مثل هذه الأمور لم يكن ليجري التعامل معها بشفافية، وبمعني آخر لو حدث تعذيب في ظل حكم ديكتاتور فإنه لن يكون من الممكن مطلقا معرفة الحقيقة، أما في ظل نظام ديمقراطي فسنعرف الحقيقة وسيتحقق العدل) .
ونحن نقول له: إننا لا نريد عدالتكم ولا شفافيتكم فقد عرفناها وخبرناها، ولسنا نريد منها المزيد، وإنما نريد أن تحملوا عصاكم وترحلوا عن ديار المسلمين، ليس فقط عن العراق، بل عن كل شبر من أرض الإسلام دنسته أقدامكم، وأثارت الرعب والفزع فيه دباباتكم وطائراتكم.
فإن لم تفعلوا فإن الواجب على المسلمين جهادكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم، فبهذا يأمر كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا وقع إجماع المسلمين من قديم، ونحن أدرى بديننا ولسنا بحاجة إلى أن يفتي لنا بوش في حقيقة ديننا وما يأمرنا به إسلامنا.
وبعد:
فهل لا يزال بعد كل هذا الذي يجري في العراق من يحسن الظن بأمريكا؟ ولماذا تصمت غالبية الحكومات العربية إزاء هذا الذي يجري في العراق؟ ولماذا تصف أجهزة الإعلام العربية من يقتل برصاص الصهاينة في فلسطين بأنه شهيد، بينما لا تطلق الوصف ذاته على من يقتله الأمريكيون وهو يدافع عن دينه وأرضه في العراق؟ وأين الذين كانوا يخرجون علينا عشية العدوان على العراق من المحللين وبعض من يتعاطون السياسة في بلاد العرب زاعمين أن القوات الأمريكية إنما جاءت فقط لتخلص العراق من بطش صدام ثم تعود من حيث أتت؟ فهل يبدو في الأفق أنهم خارجون حتى بعد ما يسمونه بنقل السلطة للعراقيين؟!
إن من أغرب ما قرأته أخيرًا لبعض من كانوا قد أيدوا العدوان الأمريكي على العراق رأي الصحافي السعودي داود الشريان الذي قال: (أيدنا الغزو الأمريكي للعراق بهدف التخلص من صدام حسين، وكنا نعتقد أن الأمريكيين سيفعلون في العراق مثل ما فعلوا في الكويت في العام 1991, حيث رحلوا بعد إكمال مهمة التحرير لكن يبدو أن أمريكا جاءت هذه المرة لتبقي ولسنوات طويلة) [مجلة الأهرام العربي: عدد 18/ 5/2004] .
فهل حقًا خرج الأمريكان من الكويت بعد تحريرهم إياها من صدام؟ أم أن قواعدهم بقيت فيها لتنطلق منها بعد ذلك عمليات العدوان على العراق وأهله؟!
وهل يجرؤ الأستاذ الشريان على أن يقول لأولئك الدهماء المخدوعين الذين خرجوا أو أخُرجوا في الكويت عشية غزو العراق في مسيرات حاشدة هاتفين بحياة أمريكا مشيدين بعدالتها، في وقت كانت شعوب الأرض كلها تتظاهر ضد أمريكا وظلمها.
أقول: هل يملك هذا الكاتب من الجرأة أن يقول لأولئك الدهماء: لقد خدعتكم أنا وأمثالي حين قلنا لكم إن أمريكا قادمة لإزالة الظلم وإعادة أسراكم إليكم؟ بينما الحقيقة المرة أن قوات الاحتلال لم يكن من همها البحث عن أولئك الأسرى، فهي معنية بأمور أخرى هي بالنسبة لها أهم من ذلك بكثير؟ وأن الإدارة الأمريكية ربما كانت أول من يعرف أنه ليس هناك أسرى ولا مفقودون؟
هل يملك؟ إنا لمنتظرون!
[4/ 1425 هـ]