فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 339

[الكاتب: حامد بن عبد الله العلي]

أستميحك عذرا، ولكني أريدك أن تكون شجاعا وتقول بصراحة:

لماذا ترفض الحرب الامريكية على العراق؟

وهل صحيح أن من أهداف الغزو الامريكي للعراق الاجهاض على انتشار موجة التدين فيه؟

بعض الناس يقولون إن الاستعمار الامريكي لايعارض الاسلام، فلماذ تخافون من استعمار أمريكي على العراق، ونلاحظ تخبطات كثيرة في مواقف الاسلاميين في الكويت، فما هوالسبب في رأيك؟

الجواب:

بالتأكيد، هذا جزء من أهداف هذه الحملة على العراق، وإنهاحقيقة مؤكدة لا مجال للشك فيها إن الجيش الامريكي والبريطاني ليس سوى أداة لتنفيذ مخطط يهودي خبيث، وأن أثر هذا المخطط أطول مدى، وأشد ضررا، وأعظم فسادا على الامة من بقاء نظام صدام الذي كان يتآكل تحت حصار ومراقبة دولية، وقد انتشر الالتزام والتدين في العراق بشكل لم يحصل من قبل، حتى قال كثير من أبناء الحركة الاسلامية هناك: إن فترة التسعينات في العراق هي الفترة الذهبية بالنسبة لرجوع الناس إلى الاسلام، وهذا بلاريب بسبب الموجة العامة للصحوة الاسلامية في البلاد الاسلامية وليس في العراق فحسب، فلاينسب هذا الفضل للحزب الحاكم في العراق، بل هي موجة عارمة تجتاح العالم الاسلامي.

ثم قد ظهر الجهاد الإسلامي الكردستاني في العراق وانتشر الحجاب، والنقاب، وعمرت المساجد بأهل الصلاة، هذا مؤكد، وسيكون جزء مهم من الأهداف الامريكية البريطانية الصهيونية تشتيت هذا الاتجاه إلى الإسلام، والقضاء عليه، ولو على المدى البعيد، في ظل الهيمنة الامريكية بعد تغيير النظام في بغداد.

ومن المعلوم أنه لاشك ولاريب أن إزالة الوضع الحالي في العراق، وجعل مكانه حكومة عميلة ستحقق كل مخططات اليهود وتكون في خدمة أهداف الكيان الصهيوني في المنطقة، أن ضرر ذلك أعظم بكثير جدا، من بقاء النظام العراقي على ماهو عليه.

وإنه لمن المؤسف أن تطغى غريزة الانتقام العمياء على بعض الكويتيين، فينسون أنهم الآن يفرحون بما قد يبكون بسببه دما في المستقبل، حسرة على دين الأمة الذي هو أغلى ما تملكه، ولكنهم لايشعرون، مع أننا نسأل الله تعالى أن يخيب ظن المخططين لهذه الحروب المدمرة من أعداء الامة، وينقلب تدبيرهم تدميرا عليهم آمين.

وأما من زعم أن الوجود الامريكي لايقضي على الاتجاه إلى الإسلام بالضرورة في البلاد التي يسيطر عليها، فهذا ضرب من الغفلة، بل يحصل ذلك: إما بحكومات مستبدة أحيانا، ونحن نرى كثيرا من الحكومات المستبدة التي ترعاها أمريكا، وترضى عنها، تحارب التوجه الاسلامي أشد المحاربة، كالجيش التركي على سبيل المثال، والامثلة كثيرة لاتخفى.

وإما بتغريب تدريجي يسلخ المجتمعات من دينها، وانتماءها الإسلامي شيئا فشيئا، ببث التخريب الاعلامي والثقافي والفساد الاخلاقي، وتمييع حدود الاسلام، وإزالة معالم الولاء و البراء، حتى إذا ذهب الجيل الذي كان يعتز بهويته الاسلامية، ويلتزم ـ ولو نوعا ما ـ بالإسلام، جاء بعد ذلك ـ في ظل الهيمنة الامريكية ـ جيل ممسوخ ثقافيا وأخلاقيا وروحيا، يحمل بذور الثقافة الامريكية المهترئة التائهة المدمرة لروح الانسان وعقله. ويجب أن نعلم أن هذه السياسات يظهر أثرها في قياس الاجيال، ومن الواضح أن المصاب بقصر النظر لن يرى هذه الحقيقة البتة. وكثيرا ما توظف السياسة الامريكية المخربة للمجتمعات التي تهيمن عليها، إسلاما أمريكيا مشوها خانعا، أقرب إلى العلمنة التي تفصل الدين عن الحياة منه إلى الاسلام الحقيقي الذي نزل به القرآن، حتى يصلوا في النهاية إلى صيغة للاسلام لاتخرج عن عبادة المسجد والعلاقة الروحية الشخصية بين الانسان وما يعتقد. أما على الصعيد السياسي فلا تسأل عن تسخير شامل يحصل بالتدريج لسياسة المجتمع الذي تهيمن عليه أمريكا لصالح الكيان الصهيوني.

ومن المهم هنا أننا يجب أن نلحظ الفرق بين حرب الخليج الثانية، حيث حرص بوش الاب أن تكون تحت مظلة الامم المتحدة، وباسمها، فاضطرت أن يكون هدفها المعلن إعادة ماكان قبل الثاني من آب 1990 فقط.

وبين هذه الحرب التي جاءت ناقضة للنظام الدولي ـ غير مأسوف عليه ـ وقد تورطت فيها الكويت على الصعيد السياسي في المشاركة في شن حرب على دولة أخرى مخالفة لميثاق الامم المتحدة، وميثاق جامعة الدول العربية، وقرارات القمة العربية!! ـ نقول هذا على صعيد ذكر واقع الحال فحسب ـ وستأتي هذه الحرب بحكومة جديدة مصنوعة في واشنطن، تضمن تحقيق أهداف جديدة، تناسب المرحلة الامبريالية الجديدة التي ستوضع في خدمة الاهداف الصهيونية بالكامل في المرحلة القادمة.

ثمة فرق كبير بين عودة ما كان إلى ما كان في الحرب السابقة ـ رغم أن أمريكا قد حققت وتحقق كثيرا من المكاسب لقيادتها التحالف الدولي في حرب الخليج الثانية ـ وبين صنع وضع جديد في العراق، وضع أمريكي خالص، قياساته أمريكية صهيونية خالصة، ويأتي بعد مأزق الكيان الصهيوني بسبب الانتفاضة لإنقاذه، وفي ظل تصريحات أمريكية كثيرة، تصرح بانها عازمة على إحداث تغييرات في المنطقة كلها لصالح سياساتها المرتبطة تماما بسياسة الكيان الصهيوني، وسوف نرى كيف ان سوريا، وإيران، ثم السعودية ستواجه كلها هذه الخطط، وسيقول الجميع حينئذ (أكلت يوم أكل الثور الابيض) !.

وإن ثمة خلطا كبيرا في الاوراق في بعض الاوساط الكويتية، حتى الاسلامية، وتداخلا وارتباكا بين معطيات الحرب السابقة والحالية، يصاحب ذلك طغيان عاطفة الانتقام العمياء، وعمى عن رؤية المستقبل، أدى ذلك كله إلى هذا التخبط التي تراه في المواقف، وقد نصحت الجميع بقراءة الدراسة التي وضعها الاستاذ محمد أحمد الراشد بعنوان دراسة شرعية وسياسية للقضية العراقية، ونشرتها في موقعي في ركن تحت المجهر، فإنها موضحة تماما لما يجري من رؤية شخصية إسلامية عراقية تتمتع بإحاطة واسعة بالشأن العراقي، فارجع إليها أيضا.

وأخيرا فلانملك إلا أن نقول، ونحن نرى هذا التخبط في الاوساط الثقافية الاسلامية في الكويت، وظهور قصر النظر، واضطراب الولاء، وإيثار المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة العامة للأمة الاسلامية: إنا لله وإنا إليه راجعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت