[الكاتب: علي بن خضير الخضير]
لوذوا بقبر أبي عمر ... بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى من والاه وبعد:
فإن واجب النصيحة متعين للمسلمين، كما في حديث جرير بن عبد الله رضى الله عنه قال (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) متفق عليه، ورواه البخاري في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وقوله تعالى (إذا نصحوا لله ورسوله) اهـ.
وعن تميم الداري رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم ـ باب بيان أن الدين النصيحة.
وعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه مرفوعا (لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق إذا رآه أو شهده أو سمعه) رواه أحمد.
أولا
مقدمة عامة في وجوب جهاد الدفع
لا يشك عاقل أن حال المسلمين في العراق حالة جهاد دفاع وهو فرض عين واجب شرعا على كل مسلم لدفع من صال عليهم أما الأدلة في ذلك:
قال تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) .
وقال تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) .
وقال تعالى (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) .
وعن سعيد بن زيد رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد) رواه أحمد وأهل السنن وقال الترمذي هذا حسن صحيح.
قال ابن حزم رحمه الله في مراتب الإجماع: ص 138واتفقوا أن دفاع المشركين وأهل الكفر عن بيضة أهل الإسلام وقراهم وحصونهم وحريمهم إذا نزلوا على المسلمين فرض على الأحرار البالغين المطيقين.
قال ابن تيمية رحمه الله في الاختيارات: (دفع ضرر العدو عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعا) .
وقال في الاختيارات: (أما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم. اهـ
وليس معنى كلام ابن تيمية (فلا يشترط له شرط) أن هذا مطلق وأنه يشتمل حتى ولو كانت الراية كافرة غير مسالمة محاربة لله ورسوله من قبل ومن بعد وسوف تستمر تحارب الله ورسوله كلما سنحت لها الفرصة، بل يريد الشروط المعتبرة التي هي مشروطة في جهاد الطلب كالزاد والراحلة وعدم إذن الوالدين أو الغريم وأنه على الرجال والنساء والأحرار والعبيد، خفافا وثقالا، الفقير وغيره .... ونحو ذلك من الشروط.
وكلام ابن تيمية السابق يُفسره كلامه في مواضع أُخر منها: قال في الاختيارات: إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلد الواحدة وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم ونصوص أحمد صريحة بهذا، اهـ. وقال في الفتاوى 28/ 358 فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبا .. إلى أن قال وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن ... مع القلة والكثرة والمشي والركوب اهـ.
وفي حاشية الدسوقي المالكي قال: أي توجه الدفع على كل أحد بفجئ (مفاجأة) على كل أحد وإن امرأة أو عبدا أو صبيا ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج ورب الدين اهـ وقال في نهاية المحتاج عند الشافعية: فإن دخلوا بلدة لنا .. فيلزم أهلها الدفع حتى من لا جهاد عليهم من فقير وولد وعبد ومدين وامرأة اهـ.
وكلام أحمد سبق أن نقله ابن تيمية قبل قليل.
ثانيا
تصوير المسألة وتحرير محل البحث وتحديد مناط الكلام
بعد أن عرفنا أن حال الأمر في العراق هو دفع صائل صليبي حاقد خبيث مجرم قد صال على الإسلام والمسلمين ليس في العراق فقط بل في كل مكان، وأنه يجب على المسلمين دفعه ودرء صولته وعرفنا الأدلة في ذلك نحتاج أن نعرف كيف يتم الدفاع وما هي وسيلته وآليته؟.
وقبل معرفة ذلك ينبغي أن نعرف قبل ذلك ما هي طبيعة وضع إخواننا المسلمين في العراق المخاطبين في ذلك فنقول:
كلامنا على طائفة مستضعفة من المسلمين ـ وهم إخواننا المسلمون في العراق ـ في بلد تحت إمارة حاكم كافر مرتد صائل على الدين والشريعة وعلى المسلمين في تلك البلاد، وهو صائل عليهم قبل الهجوم وبعده أيضا، وملتزم بمحاربة الإسلام دائما.
ثم هجم عليهم كافر أصلي صائل أيضا على الإسلام والمسلمين في كل مكان وملتزم بمحاربتهم في كل مكان.
ثم تقاتلا، فكيف تكون حال هؤلاء المستضعفين الذين هم بين صائلين عدوين محاربين للإسلام والمسلمين؟
وكيف يدفعون هذه الصولة وبأي طريق وكيفية؟.
وقبل الإجابة عن ذلك وبعد أن عرفنا صورة مسألة إخواننا المسلمين في العراق فإنه لا بد من تنبه أن هناك صورا مشتبهة بحال المسلمين هناك قد يظنها الظان أن عليها طبيعة حال إخواننا المسلمين في العراق وهي حالات بعيدة عنها وإن التبست بها، فهناك من يظن:
أ ـ أنه حال حاكم كافر لكن مسالم غير محارب وتحته مسلمون مستضعفون إما بأسر أو قهر أو غلبة حكم عليهم لكن متروكين على دينهم ثم هجم عليهم كفار صائلون محاربون يريدون هذا البلد بمن فيه من مسلم أو كافر. وهذه ليست حقيقة الوضع في العراق!
وهذه الحال هي التي تكلم عليها بعض العلماء رحمهم الله أمثال: محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، والسرخسي الحنفي وبعض فقهاء الحنابلة وغيرهم رحمهم الله. أو أُستدل عليها بفعل الزبير رضى الله عنه في قتاله مع النجاشي إن صح. أو يستدل بتحالف الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة أول ما قدم المدينة للدفاع المشترك عن المدينة.
حيث أجازوا دفاع المسلمين مع الكافر المسالم غير المحارب للإسلام والمسلمين وتحت رايته سواء جعلوا الدفاع معه مباحا وجائزا أو شرطوا الاستقلال براية إن قدروا عليها أو منعوا ذلك إلا عند الضرورة.
وسواء قلنا إن كلامهم هذا صحيح أم لا، فعلى كل حال لا ينطبق كلامهم على الحال في العراق للاختلاف في واقع الأمر.
ويكفي في الرد على هذه النقولات أن يقال هي في واقع غير واقع إخواننا المسلمين في العراق، وهو من تنزيل كلام أهل العلم في غير محله.
وكل الحالات التي ذكر أهل العلم فيها الاستعانة أو إعانة كفار على كفار على تقدير صحتها ومشروعيتها فيها الأمور التالية:
أ ـ لابد أن يكون المسلمون أقوياء ويدهم هي الغالبة، كما حصل في تعاون الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة، وهم أهل ذمة تحت حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، ومقهورون بحكمه.
ب ـ أو على أقل تقدير للمسلمين قوة وشوكة يمنعون عن أنفسهم غلبة الكفار الذين استنصروا بهم، لو صالوا عليهم أو على دينهم.
ج ـ أو ضعفاء لكن مع كافر مسالم غير صائل عليهم وغير ملتزم لحربهم قبل وبعد.
د ـ ويكون الكافر حسن الظن بالمسلمين وتؤمن خيانته.
وكل واحدة مما سبق ليست موجودة في نازلة المسلمين في العراق، فكيف يقاس ويُنزل على مفترق؟.
وعدم تصور المسائل على حقيقتها يؤدي إلى الوقوع في مزالق وسوف أذكر أمثلة معاصرة لنوع من هذه المسائل، وهي تنزيل لكلام أهل العلم القدماء على نوازل حديثة لا تنطبق عليها:
1 ـ في فتوى الشيخ محمد بن علي العجلان لما أفتى لأحد الأمراء وهو أمير ضعيف أن يستعين ويستنصر بالمشركين وعباد القبور وهم أقوياء ويدهم الغالبة ضد البغاة واستدل على ذلك بالضرورة ولم يدرك حقيقة الموقف. وإنما حقيقة الموقف أن جاء عسكر المشركين وهم أقوياء بذريعة الدفاع عن أمير ضعيف مظلوم ثم سيطروا على الأحساء وحكموها بالقانون، والأمير الذي استنصر بهم وقاتل تحت رايتهم، أمير ضعيف لا يستطيع أن يمنع الكفر الذي نشروه، فما هي الفائدة من استنصار ضعيف بقوي أدى ذلك إلى فرض الكفر.
فرد عليه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في مجموع الرسائل والمسائل النجدية 3/ 65 ووضح هذه المسألة وقال إن حقيقة الفتوى ليست مسألة استنصار بل هي تولية وجلب وتمكين للكفار إلى دار إسلامية حكموا فيها بالطاغوت وهدموا شعائر الإسلام وجعل فتوى ابن عجلان سلما لولاية المشركين وسببا لارتداد المرتدين 3/ 166 وذريعة لتعطيل الدين.
وقال 3/ 59 إن حقيقة فتوى ابن عجلان تسليط عسكر المشركين على بلاد الإسلام (راجع 3/ 64) وقال عنها 3/ 37 إن رسالة ابن عجلان فيها الاستدلال على جواز خيانة الله ورسوله وتخلية بلاد المسلمين وتسليط أهل الشرك عليها بمسألة خلافية في جواز الاستعانة بمشرك ليس له دولة ولا صولة ولا دخل في الرأي.
2 ـ مثلها أحداث الخليج لما جاء حزب البعث الكافر إلى الكويت ثم استنصر حكام الخليج الضعفاء بأمريكا وحلفائها الصليبيين ولهم أطماع في الخليج، وقاتلوا تحت راية الكفار، وأفتى من أفتى بالجواز بدعوى الضرورة والله يغفر لنا ولهم، وكان حقيقة الاستعانة تمكين أمريكا الكافرة من السيطرة على الخليج.
3 ـ ومثل من لم يعرف حقيقة الموقف فأفتى بجواز الصلح مع يهود بدعوى الضرورة ودعوى تنزيله على صلح الحديبية، وحقيقة الموقف أنه استسلام وتمكين لليهود الأقوياء من فلسطين وإلغاء البراء منهم ومحاولة لإزالة روح العداء مع اليهود.
ومثله تماما مسألتنا هذه فان حقيقة القتال تحت راية صدام هو تقوية له ويؤدي إلى بقائه سالما ليحكم البلاد بعد النصر بالكفر والقانون ثم يلتف على المجاهدين ويقتلهم. وهي تقوية لكافر مرتد صائل على الشريعة وعلى المسلمين وبعد تمكنه يعود للصول مرة أخرى.
كل هذه المقدمة لبيان أهمية إدراك مناط الأمر والدقة في تحرير أصل المسألة حتى نصل بإذن الله إلى الحكم الصحيح.
والحلول التي أمام إخواننا المسلمين في العراق هي:
1 ـ وهو فرض متعين وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهو الدخول مع راية إسلامية صحيحة موجودة ولو لزم الأمر إلى الهجرة والانتقال إليها، تقاتل لإعلاء كلمة الله كما في الحديث (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى. قال تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ َ} . وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا) قال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضى الله عنه في قوله: ثبات أي عصبا يعني سرايا متفرقين، وجميعا أي كلكم. والشاهد ثبات أي سرايا متفرقين كما قال ابن عباس، أي رايات سرايا. قال الشوكاني في فتح القدير 2/ 362 أي حال كونكم خفافا وثقالا قيل المراد منفردين أو مجتمعين.
وقال الشوكاني في فتح القدير 1/ 492 قال الزجاج: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده.
2 ـ إنشاء راية إسلامية مستقلة، إذا لم توجد راية إسلامية سابقة، للدليل السابق فإن من القوة والإعداد الاجتماع على راية إسلامية. وعن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة) رواه مسلم.
وأبو بصير رضى الله عنه قاتل منحازا لوحده، في أول الأمر حتى انحاز إليه جماعة من المسلمين، فكّون راية مستقلة مع طائفة معه.
بل عليكم أن تتفقوا على أمير ضرورة لمصلحة الجهاد لدفع الصائل. كما فعل الصحابة في مؤتة لما اصطلحوا على خالد بن الوليد رضى الله عنه. فقد جاء في صحيح البخاري باب من تأمر في الحرب من غير إمرة حديث أنس مرفوعا: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة ففتح الله عليه. قال في المغني: وإن بعث الإمام جيشا وأمّر عليهم أميرا فقتل أو مات فللجيش أن يؤمروا أحدهم كما فعل أصحاب النبي في جيش مؤتة أمّروا خالد بن الوليد فبلغ النبي فرضي أمرهم وصوب رأيهم وسمى خالدا يومئذ سيف الله 10/ 374.
وجاء في فتح العلى المالك 1/ 389: نقل الشيخ ميارة إذا خلا الوقت من الأمير وأجمع الناس على بعض كبراء الوقت يمهد سبيلهم ويرد قويهم عن ضعيفهم فقام بذلك قدر الجهد والطاقة، فالظاهر أن القيام عليه لا يجوز والمعرض له يريد شق عصا الإسلام وتفريق جماعته، ففي صحيح مسلم إنها ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة فاقتلوه) الحديث اهـ.
ومما يدل على أنه يُسعى في صنع راية إسلامية إذا عصى الأمير ومن باب أولى إذا لم يكن موجودا ما رواه عقبة بن مالك رضي الله عنه قال (بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فسلّحتُ رجلا منهم سيفا فلما رجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لامنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أعجزتم إذا بعثت رجلا فلم يمض لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري) رواه أبو داود والحاكم في المستدرك 2/ 125وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. قال شارح عون المعبود 7/ 291 قال في المجمع في مادة: مضى وفيه إذا بعثت رجلا فلم يمض أمري أي إذا أمرت أحدا أن يذهب إلى أمر أو بعثته لأمر ولم يمض وعصاني فاعزلوه. اهـ
وعبد الله بن عمرو بن العاص جهّز نفسه وولده واستعد للقتال مع جماعته للدفاع عن ماله وقصته في صحيح مسلم، فقد روى مسلم بسنده إلى عمر بن عبد الرحمن أخبره أنه لما كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسروا للقتال فركب خالد بن العاص إلى عبد الله بن عمرو فوعظه خالد فقال عبد الله بن عمرو أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من قتل دون ماله فهو شهيد) فإذا صنع رضي الله عنه راية من بنيه وأهله للدفاع عمن صال على ماله، فكيف إذا صيل على المال والدين والنفس والعرض!.
مسألة
وإنشاء راية مستقلة وعدم الدخول في رايات العلمانيين هو الذي عليه عمل أهل الثغور وأهل الجهاد اليوم في أفغانستان والشيشان وغيرها، فهم يُقاتلون تحت رايات إسلامية نظيفة، وبهذه المناسبة: فلو أن حكومة قرضاي العلمانية العميلة أعلنت أنها تريد طرد الأمريكيين وصدّ صولتهم مع أنها علمانية وستبقى علمانية بعد إخراج الصليبيين، وتعمل بالعلمانية وملتزمة لمحاربة المجاهدين بعد، فهل يُشارك فيها المجاهدون؟ وهذا مما يُبين ضعف القول بالدخول تحت راية صدام مهما كانت الأحوال. وكذا في الشيشان يُقاتلون تحت راية المجاهدين وراية المجلس العسكري للمجاهدين. وكذا في فلسطين يُقاتلون ليس تحت راية حكومة عرفات العلمانية العميلة الصائلة على الدين من قبل ومن بعد، وملتزمة لمحاربة المجاهدين.
فلو قال قائل هل للمدنيين في العراق استطاعة أن ينشؤا راية مستقلة عن الحكومة؟
الجواب نعم، لان طبيعة الشعب العراقي متسلح ومتعلم على الأسلحة، وهو مجتمع قبلي ولا يخلو بيت من سلاح كما نسمع.
وكان التجنيد عندهم سابقا إجباريا، وهذا يعني أن الشعب العراقي غير الجيش النظامي متدرب على الأسلحة بل ومسلح أيضا.
3 ـ فإذا لم يحصل راية إسلامية شرعية فعلى أقل الأحوال الدخول ولو مع راية بدعية غير كافرة موجودة قائمة هدفها إسلامي شرعي فلا مانع من القتال معها والتعاون، فإن أصول أهل السنة والجماعة أن الجهاد ماضٍ مع كل إمام برا كان أم فاجرا. قال تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) ، وعموم قوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) ، ومثل قتال أهل السنة للنصارى تحت راية صلاح الدين وكما قاتل أهل السنة في المغرب قاتلوا العبيديين الكفرة تحت راية أبي يزيد الخارجي، وكما قاتل ابن تيمية ومن معه من أهل السنة تحت راية بعض الملوك الأشاعرة حينما قاتلوا التتار الخارجين عن الملة.
قال ابن تيمية في الفتاوى 28/ 506 ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور فإنه لابد من أمرين إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام وإن لم يمكن إقامة جميعها اهـ. وأما صدام فلا يريد إقامة الشرع أصلا فلا فائدة من العمل معه.
وقد يظن الظان أن معنى من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) متفق عليه، بالقتال مع صدام طاغية العراق، وليس كذلك فعند البخاري عن أبي هريرة مرفوعا (قال رجل ممن يدعي الإسلام) فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) أي الذي فجوره على نفسه , أو فجور متعدٍ ليس بكفر، أما لو كان فجوره على الدين فكيف يقال إن الله يؤيد هذا الدين برجل فاجر يحارب هذا الدين فهذا لا يستقيم.
وحتى لو قلنا بأن فجوره فجور كفر أي كفر مقتصر عليه ليس كفرا متعديا مثل الصولة على الدين أو أهله.
مسألة
فإن لم تتمكنوا من راية إسلامية ذات إمارة، فاعملوا على أقل تقدير بنظام البيعات الخاصة كما جاء عن بعض السلف ولها أمثلة.
أ ـ فتوى ابن تيمية فقد أجاز العهود والعقود الخاصة ومنها: أنه أجاز للتلميذ إذا عاهد شيخه على القتال ثم ذكر صورة المعاهد ثم قال فمن التزم ذلك كان من المجاهدين. الفتاوى 28/ 21.19. وذكر في الفتاوى 28/ 7. 35/ 98 عقود المشايخ والمتآخين وهي عهود وعقود تناصر بحق.
ب ـ قال ابن كثير في البداية والنهاية 7/ 12.11 إنه في معركة اليرموك بايع عكرمة ـ ولم يكن أمير الجيش ـ نفرا من الجيش على الموت، قال أربعمائة منهم جماعة من أهل بدر.
ج ـ بيعة أحمد بن نصر الخزاعي سنة 231 على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بذلك.
هـ ـ بيعة أهل دمشق للضحاك بن قيس لما مات الخليفة حتى يُبايع آخر. فهي بيعة خاصة للقيام بأمر طائفة حتى يظهر خليفة.
4 ـ فإذا لم يحصل هذا ولا هذا فليقاتل كل مسلم لوحده، إذ لا يجوز بحال من الأحوال الدخول تحت راية كافر صائل عليهم ينتفع بهم اليوم وعند الشدة ويجعلهم مخالب له ثم بعد انتهاء المعركة يعود لماضيه السابق، بل عليهم أن يقاتلوا فرادى ووحدانا، وليس معنى أن يُقاتل لوحده أن ينتظر في بيته ومكانه حتى يدخل عليه العدو! لم نرد ذلك، وإنما أردنا أن يُدافع بما هو مناسب للحرب الحديثة، فوقت هجوم العدو بالطائرات ونحوها له طريقة في القتال، ووقت المواجهة البرية لها طريقة في القتال، ويجب على المسلم أن يجتهد في إتقان الأسباب ويحرص على الأنظمة الحديثة النافعة في الحرب، قال ابن تيمية في رسالة عموم بعثته: ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتال الترك وأن أمته ستقاتلهم ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقِسي الفارسية ولكن قوتلوا بالقِسي العربية ... فلم تغن شيئا بل استطالوا على المسلمين بقوة رميهم فلا بد من قتالهم بما يقهرهم. اهـ
وفي الحديث عن عائشة مرفوعا (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) رواه أبو يعلى، قال في مجمع الزوائد 4/ 98 في باب نصح الأجير وإتقان العمل، بعد ذكر هذا الحديث، وفيه مصعب بن ثابت وثقه ابن حبان وضعفه جماعة.
والأصل في أساليب الحرب وتشكيلاته الإباحة، فإذا تعينت أنظمة معينة نافعة وجبت للقيام بفرض الجهاد فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن الأدلة على أنه يُقاتل وحده:
أ ـ وقوله تعالى (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا) قال القرطبي رحمه الله (5/ 279) :" (فقاتل) : كأن هذا المعنى لا تدع جهاد العدو والإستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك؛ لأنه وعده بالنصر. قال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده؛ لأنه قد ضمن له النصرة. قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم يجئ في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة مدة ما؛ فالمعنى - والله أعلم - أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه؛ أي: أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) . ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده؛ ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي) ، وقول أبي بكر وقت الردة: (ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي) "اهـ.
ب ـ وسلمة بن الأكوع رضى الله عنه جاهد لوحده , كما في الصحيح لما أغار الكفار على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم - أي الإبل - فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجا من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذن , فمدحه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: [خير رجّالتنا سلمة بن الأكوع] وأعطاه سهم فارس وراجل.
ج ـ عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله فانهزم ـ يعني أصحابه ـ فعلم ما عليه فرجع حتى أهريق دمه فيقول الله تعالى لملائكته انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه) رواه أبو داود وأحمد. فهذا الرجل رجع وغزا لوحده.
د ـ ومن الأدلة أنه يُقاتل وحده عند التعذر، ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال فزع الناس، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة بطيئا ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه فقال لم تراعوا) متفق عليه.
هـ ـ وأبو بصير رضى الله عنه قاتل منحازا لوحده، في أول الأمر حتى انحاز إليه جماعة من المسلمين فكانوا طائفة ذات شوكة ممتنعة، فكانوا بعد ذلك راية مستقلة.