ثانيا: مشهد الانشقاقات والتحالفات والمرجعيات الأيديولوجية
للجماعات الجهادية (2)
يرتبط مشهد التحالفات والانشقاقات بين الجماعات المسلحة في العراق بالمشهد الأيديولوجي حكما. إذ من الصعب تخيل قيام تحالف بين بعض الجماعات أو وقوع انفصال في إحداها بعيدا عن الأيديولوجيا التي تميز هذه الجماعة عن تلك، على أن المشهد بتفاصيله، أي المشروع الجهادي، من المحتم أن تكون له مآلات سياسية من شأنها أن ترسم إلى حد كبير هوية هذا المشروع ومستقبله. ولا شك أن الإشكال الكبير يتمظهر في التخوف من تكرار الحالتين الأفغانية والبوسنية، فهل ثمة ما يبرر هذه المخاوف؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون هواجس لا أكثر؟
الحقيقة أن إشكالية التمثيل السياسي، كمحصلة طبيعية وضرورة، لأي مشروع مقاومة أو جهاد لا ينبغي أن تشكل أي فارق بين الهواجس والمخاوف، إلا حين يبدو الفارق صارخا على خلفية من يقود التمثيل السياسي أو يعبر عنه في حالة الانسحاب الأمريكي من العراق. وهنا بالضبط، حيث تسود لغة الشك وانعدام الثقة، يقع الانقسام الذي غالبا ما يعبر عنه بحملات إعلامية متبادلة قد يرتقي إلى صدامات مسلحة واسعة أو محدودة أو توتر يظل طي الكتمان إلى أن تدفع به الاستحقاقات السياسية إلى حيز العلن. وفي الحالة العراقية خاصة فيما يتعلق بالجماعات الجهادية السنية، وبعيدا عن قوى المقاومة الوطنية كحزب البعث وغيره، يرصد المتابعون ثلاثة تيارات إسلامية مركزية بيدها القدرة على التأثير في مسار المشروع الجهادي، وهي:
أولا: جماعة الإخوان المسلمون
تقدم نفسهها كجماعة وسطية، ولها بنية تنظيمية هرمية، وفروع متعددة في العالمين العربي والإسلامي، ومركزها في مصر حيث نشأت، إلا أن الفروع أقرب إلى الاستقلالية الإدارية والتنظيمية في تسيير شؤون عمل الجماعة التي يغلب على عملها وتفكيرها الطابع السلمي في التغيير، فتراها نشطة في الاقتصاد وبناء المؤسسات الخيرية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والتربوية، وتنشط كثيرا في العمل النقابي والسياسي، وفي المقابل تجدها مشتتة فيما يتعلق بموقفها من الجهاد أو المقاومة، ويتجلى هذا التشتت في قدرتها الفائقة على التكيف مع الظروف بما يخدم مصالح الجماعة بالدرجة الأساس، حتى اشتهرت لدى مخالفيها بسرعة تقلب تحالفاتها وسعيها الحثيث للسلطة أو التحالف معها حتى لو كانت سلطة احتلال الأمر الذي يعرضها لنقد شديد من خصومها يبدأ من النبذ مرورا في التشكيك والتخوف من نواياها وصولا إلى الإدانة.