في ضوء وقفات البغدادي
الصحوات في ميزان القوى القائم في العراق
د. أكرم حجازي
كنا قد تحدثنا في مقالة سابقة بعنوان:"الفاعل الاستراتيجي القادم على الساحة الدولية"عن الصحوات العشائرية في العراق باعتبارها آخر ما في جعبة القوات الأمريكية وهو ما أكد عليه البغدادي في وقفاته. وحتى هذه اللحظة تقول الأرقام المتوفرة عنهم أنهم قاربوا على الـ 80 ألفا من بينهم نحو 20 ألفا من الشيعة. وأنهم يشكلون 186 صحوة تعمل في 186 منطقة. وبالتأكيد فليس المقصود أبدا 186 عشيرة ولا 186 مدينة، وكنا قد أشرنا إلى أنهم يتواجدون على الأغلب في بعض المدن خاصة الأنبار وديالى والموصل وصلاح الدين وبغداد، وهذا يعني أنهم يتواجدون في القرى والأحياء والشوارع وعلى الطرقات وحيث يتواجد الهدف الذي أنشئوا من أجله، ظاهريا، وهو مقاتلة القاعدة دون أن يعني أنهم نجحوا في التواجد في كافة المناطق التي يسيطر عليها المجاهدون.
ولا شك أنهم آذوا المشروع الجهادي وبعض الجماعات الجهادية التي انسحبت من مناطق تواجدهم إما لعجزها عن مواجهتم أو اعتقادا منها أن مواجهتم قد تتسبب بفقدانها لحواضنها الشعبية. لكن بعض الجماعات بررت وجودها ورفضت إدانتها رفضا قاطعا ولم تعلن عن مقاتلتها، وربما تلاقت معها في بعض المصالح المشتركة بما يحقق لها غايتها، والبعض الآخر تحالف معها وشاركها في القتال، وآخرون نصحوها بالرجوع عن سقوطها المريع في خدمة قوى الاحتلال ووجهوا لها بيانات ونداءات مطولة.
أما في وقفات البغدادي فقد لاحظنا تأطيرا لها في السياق التاريخي والشرعي من جهة وتوزينها في إطار ما تشكله من مخاطر على المشروع الجهادي من جهة ثانية. فقد حرص البغدادي في خطابه على التذكير بأن الصحوات تقع في سياق ما يسميه بـ"الردة الجماعية"، وهو سلوك شهده العالم الإسلامي وتواصل دون انقطاع منذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الأمة، وبالتالي ما من منطق في الأطروحة التي تحاول تحميل"القاعدة"مسؤولية فقدان الحواضن الشعبية للمجاهدين أو تعليق هذه"الردة"على شماعة الأخطاء خاصة بعد سقوط بعض الأطروحات كالتنظيم الوافد وغيرها.
الحقيقة الأولى أن الكثير من القوى المجاهدة والعلماء رفضوا مثل هذه التبريرات التي اعتبروها"حجة"لضرب المجاهدين والقضاء على المشروع الجهادي، بل أن أحدهم كتب ناصحا ومحذرا:"يا شيوخ الأنبار: المعاصي لا تبرر الكفر!".