والحقيقة الثانية أنه في مشاريع المقاومة الوطنية كانت تقع أحداث عظيمة واقتتال دام بسبب الأخطاء وغيرها، ولم تكن لتؤدي إلى التضحية بالمشروع الوطني أو وضعه على المحك ودعوة العملاء ليشكلوا بديلا، وليست التجربة الفلسطينية في لبنان عنا ببعيدة، فقد كانوا يتقاتلون لأتفه الأسباب لكنهم لم يتخلوا عما اعتقدوه ثورة أو حركة وطنية ولو إلى حين، فهل يعقل أن يسع المقاومين ما لم يسع المجاهدين؟ بالتأكيد الجواب بالنفي. وبالتالي فما من مقارنة يمكن أن يعتد بها لمن يحاولون المساواة ما بين الأخطاء (كأسباب) ومصير المشروع الجهادي (كنتائج) ، فالصحوات أولا وآخرا، هي مشروع أمريكي خالص، حتى لو أجبر المالكي على دفع رواتب لعناصرها، وليست هبَّة شعبية انتظمت بعفوية في عشرات المناطق، وهي تستهدف كافة الجماعات الجهادية، وهي أداة عدوانية لتحقيق أهداف أمريكية وليس أهدافا وطنية ولا احتياجات اجتماعية لا من قريب ولا من بعيد، فأي منطق، إذن، يبرر وجودها أو أفعالها أو المشاركة في مخططاتها؟! وبأي أيديولوجية أو شرعة يتطوع البعض لنصرتها، بغض الطرف عنها، ويتنصل حتى من إدانتها ناهيك عن مقاتلتها؟
الحقيقة الثالثة تقع في سياق خطاب البغدادي وهو يحاول بيان خطرها من خلال استعراض ميزان القوى القائم الآن في العراق، ففي الفقرة التالية إشارة إلى حجم القوى المعادية للمشروع الجهادي:"إن جنود دولة الإسلام ينازلون اليوم عدوًا قوامه مليون جندي وحسب تصريحاتهم الرسمية, أكثر من نصفه يخوض حرب مباشرة مع دولة الإسلام, فعدة المحتل تزيد عن 300 ألف جندي وهو ما صرحوا به مرارًا وتكرارًا آخرها ما أكده الصحفي اليهودي سيمور هيرش في برنامج لفضائية الجزيرة, فالجيش الأمريكي تعداده الرسمي أكثر من 160 ألفًا, وشركات خصخصة الحرب نحو 180 ألف جندي عدا آلاف الكوريين والبولنديين والأستراليين وغيرهم, وعدة الجيوش الصفوية هي 300 ألف شرطي 280 ألف حرس وطني أضف إلى القائمة أكثر من 70 ألف عميل من الصحوات وعدة آلاف من خونة المقاومة المسماة الشريفة".
ومع كل هذه الأرقام تبقى الصحوات حجر عثرة ليس في وقف المشروع الجهادي بل في إعاقة فعالياته على النحو الذي كان عليه. ولأن الأمريكيين استعملوها رأس حربة في مقاتلة المجاهدين وسدا كبيرا يحول ما بين المجاهدين والقوات الأمريكية فإن إزاحتها من الطريق غدت أولوية بما أنها باتت:"آخر أوراق المحتل وأذنابه". ولو تتبعنا هجمات دولة العراق بالذات على الصحوات لوجدنا أنها احتلت الصدارة كما ونوعا، لكن العجيب في مواجهة الصحوات أنها غالبا ما تضع الرؤوس هدفا لها أكثر مما تستهدف الأفراد، أما الأعجب فيمكن ملاحظته في أن عشرات الرؤوس منهم سقطوا في مناطق مختلفة، وهذا مؤشر آخر عبّر عنه البغدادي بصيغة تقرير عن حالة الدولة في العراق وجهه ليس إلى المجاهدين ولا إلى جنوده بل إلى"أمة الإسلام"قائلا:"نبشرك اليوم بحالة دولة الإسلام في العراق فهي والحمد لله من حَسَن إلى أحسن بخلاف ما يحاول أعداء الله إظهاره للعالم والتأثير به على المجاهدين من أن المناطق بدأت تسقط في أيدي المرتدين من العملاء الخائنين و المنتكسين المنهزمين". لذا