في ملاحم العراق بان لكل ذي عينين حقيقة واضحة وهي أنّ النّصر والهزيمة - في المعارك التي تلتقي فيها راية التوحيد ضد راية الشرك - لا علاقة لها بالجانب المادّي المحسوس بقدر ما هما على علاقة بالجانب الرّوحي الإيماني، فمن أحبّ أن يتنزّل عليه النّصر ويحالفه التوفيق، فلا يسأل إن كان معه جيش كبير وسلاح عظيم ومال وفير، ولكن عليه أن يسأل قبل كل شيء؛ إن كان معه الله، لأن من كان معه الله لم يبال أَقَلََّ أعداؤه أم كثروا، ولم يكترث إن نَصَره إخوانه أم تخلّفوا.
لقد شاهد الناس كلّهم مؤمنهم وكافرهم، صغيرهم وكبيرهم حصار الفلّوجة، تلك المدينة الصغيرة التي طُوّقت من جميع جهاتها وأحاط بها تحالف الشرّ والكفر إحاطة القيد بالمعصم ودكّتها أمريكا بجميع أنواع القنابل - بما فيها تلك التي حرّمتها أمريكا على نفسها في"اتفاقيات جينيف"- وقطعت عنها الماء والكهرباء وحرمتها المؤن والدواء.
وشاهدت الدنيا كلّها كيف دارت المعركة بين طرفين؛
-طرف قليل ذليل ولكنه يحمل راية الحق مؤمن بالله متوكل عليه صابر محتسب، يقدّم الشهيد تلو الشهيد دفاعا عن شهادة التوحيد.
-وطرف متغطرس مستكبر يحمل راية البغي والكفر، ينادي بأعلى صوته؛ من أكثر منّي مالا وأعز نفرا؟ ويصرخ بملء فيه من أكبر منّي قوّة وأشدّ بطشا وقهرا؟ لكن جنوده حريصون على الحياة كل الحرص يودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة، لا يقاتلون إلا في عربات مصفّحة أو من وراء تروس من الإسمنت المسلّح.
لقد أرادت أمريكا بعملية"الوحش الغاضب"في الفلّوجة أن تظهر للعالم مدى قوّتها وقدرتها وعظمتها فاضطرت إلى إماطة اللّثام عن وجهها، وأُلجأت إلى نزع لباس التمويه وإزالة مساحيق التجميل، فبدت لأوّل مرّة أمام أعين الناس على حقيقتها فإذا هي وحش مفترس مكشّر عن أنيابه يتطاير من عينيه الشر والشرر يزرع الرعب وينشر الموت ويفتك بالأبرياء ويعتدي على الحرمات.
أرادت أمريكا أن تستعيد عذريتها التي فقدتها وتسترجع هيبتها التي خسرتها يوم"الثلاثاء الأسود"عليها، ولكن الله العليّ القدير أجرى الرياح بما لا تشتهيه سفينتها، فلم تزد أمريكا على أن فضحت نفسها وكشفت للعالم مقدار جبنها وحقارتها ودرجة وحشيتها وهمجيتها.
نعم عجزت أمريكا عن تحقيق أهدافها في الفلّوجة ولم تفلح إلا في تدمير المباني وتخريب العمران والفتك بالشيوخ والنساء والأطفال، وهذا دأب كل طاغية في كل زمان ومكان، يقدر على أن يلحق بالمؤمنين كل الأذى وأنواع الشرور ولكنه يعجز في كل مرة عن الوصول إلى القلوب التي في الصدور.
نعم صُرع"الوحش الغاضب"في الفلّوحة وخرج المجاهدون من تلك الملحمة - بحمد الله - أكبر إرادة وأصلب عزيمة وأشدّ حرصا وإصرارا على ملاحقة العدوّ الظالم وأعوانه والنكاية والإثخان فيهم، فوسّعوا دائرة الجهاد شمالا وجنوبا، ونقلوا الحرب إلى مناطق كانت قبل العدوان على الفلّوجة ساكنة، وقديما قيل؛ إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا.
إن أهالي الفلّوجة - شيوخها ونساءها وصبيانها - هم حجة يوم القيامة على الأمّة الإسلامية جميعها - حكامها وعلمائها وشبابها -
عجبا أيثبت النساء والأطفال والشيوخ أمام قصف الطائرات الضخمة ودويّ المدافع وأصوات الرصاص ومختلف أنواع السلاح، ويصبروا على الجوع والعطش وآلام الجراحات ومشاهد الدمار والخراب وصور الجثث المبعثرة والأشلاء المتناثرة، وتفر جيوش الدول المحسوبة على الإسلام إلى جحورها كالثعالب تعيش المعارك متكئة على الأرائك من خلال قنوات الفضاء!
عجبا أيصبر النساء والأطفال والشيوخ على مثل هذه الأهوال ولا يبرحون مساكنهم، ويفرّ الذين يزعمون أنّهم علماء الأمّة إلى موائد الطعام والشراب لملء بطونهم من كل ما لذّ وطاب؟!
عجبا أيثبت هؤلاء المستضعفون، ويتسلّل شباب الأمّة إلى المقاهي والملاهي للّعب كالصبيان؟!
هل ماتت في الأمة حميّة الدين وتبلّد شعورها وفقدت إحساسها بوجودها؟!
أين غابت العزّة والأنفة والنّجدة التي عُرف بها الأجداد؟
هل ضاعت أخوّة الدّين كما ضاعت أخوّة الدم؟
ألا يخشى قاعد عن الجهاد ومعوّق للمجاهدين من هذا التهديد الذي تقشعرّ منه جلود الذين أمنوا؛ {إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ؟
ألا يستحي"رجال الأمّة"و"علماؤها"حين يرون مدينة صغيرة واحدة تصمد أمام أعظم تحالف كفري عرفته الدنيا في هذا الزمان، وتتحدّى أعتى قوّة في العالم وتتجرّأ عليها، بل وتهزمها؟ ألا يسألون أنفسهم ماذا لو ثبتت دولة عربية واحدة كما ثبتت الفلّوجة؟ وماذا لو هبّ المسلمون هبّة واحدة كما صنع أهالي الفلّوجة؟
ألم يفقه المسلمون إلى اليوم أنّ غير ساسة الغرب أخوف على أمّة الإسلام؛ الساسة الخونة العرب؟ وأن أخوف من القساوسة والحاخامات على أمّة الإسلام؛ علماء السوء اللّئام؟
وعلى المسلمين أن يدركوا أن هزيمة هذا التحالف العظيم ليست إلا صنعا من الله، فكسر شوكة دولة مثل أمريكا لا يمكن أن يتيسّر إلا بحوله وقوّته وعظيم قدرته، وعليهم أن يعلموا أن كل من اتّبع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلك سبيل أصحابه رضوان الله عليهم، فصبر كما صبروا وصدق الله كما صدقوا نُصِرَ - لا محالة - كما نُصِروا.
وعليهم أن يتعلّموا من ملاحم العراق؛ أنّهم إذا أرادوا البقاء والعزّة والكرامة فعليهم أن يتسلّحوا بالإيمان واليقين والصّبر والصّدق ويوطّنوا أنفسهم على ترك الشهوات والإقلاع عن الملذّات، فإنهم إن فعلوا ذلك لن يضّرهم عدوّ ولو تحالف عليهم الإنس كلّهم والجن أيضا معهم، لأن النصر من عند الله وحده، والله تعالى ينصر بالإيمان والطاعات ويخذل بالكفر والمعاصي.
فهذه الأمّة لن تستعيد عافيتها وقوّتها ولن تسترجع عزّها ومجدها حتى تعود إلى كتاب ربّها وسنّة نبيّها صلى الله عليه وسلم.
لقد رأت الأمّة ما أصابها من هوان ووهن وما لحقها من ذلّ وصغار حين عاجت عن الصراط المستقيم واتّبعت السبل المتشعّبة وأدارت ظهرها للكتاب والسنّة، حتى طمع فيها كلّ حقير وتجرّأ عليها كلّ نذل لئيم.
فالبلاء كلّ البلاء حين تعرض الأمّة عن دينها وتترك جهاد عدوّها وتركن إلى الدنيا وتتّبع الشهوات.
انظروا إلى الفئة القليلة المؤمنة في الفلّوجة؛ كيف أعطت للأمّة الإسلامية قاطبة دروسا عزيزة في حقيقة الإيمان والتوكّل على الله والإعتماد عليه والإنابة إليه وحسن الظنّ به، وعدم الخوف من الكفار والجرأة عليهم واحتقارهم وإغاظتهم، حتى بدت هذه الآية؛ {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ... الآية} ، كأوضح شيء أن يراه إنسان وأبين معنى يمكنه أن يعقله إنسان.
فيا شباب الإسلام:
أفيقوا من غفلتكم وعودوا إلى رشدكم وأقلعوا عن اللّهو واللّعب، واعلموا أنكم لستم كشباب سائر الأمم، فأنتم أصحاب رسالة عظيمة جليلة - أحببتم أم كرهتم، علمتم أم جهلتم - فلا تضيّعوا هذه الأمانة فإنّها عرضت على السماوات والأرض والجبال فأَبَيْنَ أن يحملنها وأشفقن منها.
يا شباب الأمّة:
أنتم مادّة الإسلام وذخيرته، فلا ترغبوا بأنفسكم عن أنفس أترابكم من المجاهدين الذين قضوا نحبهم من أجل إعزاز هذا الدين وحماية بيضة المسلمين دون أن تفتنهم زهرة الحياة الدنيا.
ألم توقظكم أهوال العراق وأفغانستان وفلسطين؟
ألم تزعجكم فضائع"غوانتانامو"وفضائح سجن أبي غريب؟
ألم تحرّك مشاعركم أخبار المسلمات المغتصبات وصور الأيتام المحرومين؟
ألا تغضبون لله ولرسوله؟
ألا تغارون على حرمات الدّين؟
ما لكم، أكُلُّكم مشتاقون للدنيا؟ أليس فيكم مشتاق واحد للجنّة؟
أما سمعتم قول ربّكم: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} ؟
يا شباب الإسلام:
احذروا أن تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} ، وكونوا من الذين قالوا: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} .