فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 417

فانظر- رحمك الله - إلى هذا الوعيد الشديد، والخزي الشديد، والوبال الأليم لمن تخلف عن الجهاد وتقاعد عنه وكره الإنفاق فيه.

وهذه الآيات وإن كانت نزلت لأقوام بأعيانهم فإن فيها ترهيبًا وتهديدًا لمن فعل كفعلهم، وتخلف عن الجهاد الواجب كتخلفهم، وناهيك عن ذلك فعلًا شنيعًا، ووعيدًا فضيعا ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهل بعد هذا الخذلان خذلان!! فاتقوا الله واحذروا مكره لمن تخلف عن أمره.

قال صاحب المشارع رحمه الله: (اعلم أيها الراغب عما افترض عليه من الجهاد الناكب عن سنن التوفيق والسداد؛ أنك قد تعرضت إلى الطرد والإبعاد وحرمت والله الإسعاد بنيل المراد) .

ليت شعري هل سبب إحجامك عن القتال واقتحامك معارك الأبطال، وبخلك في سبيل الله بالنفس والمال؛ إلا طول أمل؟ أو خوف هجوم أجل؟ أو فراق محبوب من أهل ومال؟ أو ولد وخدم وعيال؟ أو أخ لك شقيق؟ أو قريب عليك شفيق؟ أو ولي كريم؟ أو صديق حميم؟ أو حب زوجة ذات حسن وجمال؟ أو جاه منيع؟ أو منصب رفيع؟ أو قصر مشيد؟ أو ظل مديد؟ أو ملبس بهي أو مأكل هني؟

ليس غير هذا يقعدك عن الجهاد، ولا سواه يبعدك عن رب العباد.

وتالله ما هذا منك أيها الأخ بجميل! ألا تسمع قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنووا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} ؟

أصغِ لما أُملي عليك من الحجج واستمع ما ألقي إليك من البراهين الساطعة ولتعلم أنه ما يقعدك عن الجهاد سوى الحرمان وليس لتأخرك سبب إلا النفس والشيطان.

وأما سكونك إلى طول الأمل وخوف هجوم الأجل والاحتراز من الموت لابد من نزوله، والإشفاق من الطريق الذي لابد من سلوك سبيله، فوالله إن الإقدام لا ينقص عمر المقدمين كما لا يزيد الإحجام عمر المستأخرين؛ {ولكل أمة اجل فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} ، {كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون} .

وإن للموت سكرات - أيّها المفتون - وإن هول المطلع شديد ولكن لا تشعرون، وإن للقبر عذابًا لا ينجو منه إلا الصالحون، وإن فيه سؤال الملكين الفاتنين، {يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} .

ثم بعد ذلك الخطر العظيم؛ إما سعيدًا فإلى النعيم المقيم، وإما شقيًا فإلى عذاب الجحيم.

والشهيد آمن من جميع ذلك لا يخش شيئًا من هذه المهالك، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يجد ألشهيد من ألم القتل إلا كمس القرصة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت