فما يقعد بك - أيها الأخ - عن انتهاز هذه الفرصة ثم تُجار في القبر من العذاب وتفوز عن الله بحسن المآب، وتأمن من فتنة السؤال وما بعد ذلك من الشدائد والأهوال، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقزن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فرحين بما آتاهم الله من فضله مستبشرين، أرواحهم في جوف طير خطر تسرح في عليين، فكم بين هذا الموت الكريم، وبين الموت الأليم.
لئن كانت الأرزاق قسمًا مقدرا ... ... فقلة حرص المرء في الرزق أجمل
وإن كانت الأموال للترك جمعها ... ... فما بال متروك به المرء يبخل
وإن كانت الدنيا تُعد نفيسة ... ... فقدر ثواب الله أعلى وأنبل
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت ... فقتل إمرئ في الله بالسيف أجمل
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} ، وسياق الآيات يبين أن ذلك بسبب موالاة الكفار والركون إليهم...
فماذا ستفعل يارب؟
{فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} .
من هؤلاء المصطفون؟ من هؤلاء الكرام الذين يدّخرهم الله لنصرة دينه ورفع رايته حين بنكص الناس وينفض جمع الإيمان؟
{يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} .
ثم ماذا يارب؟
{يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} .
لكن الله يقرر أن هذا الأمر محض الفضل وخالص الإحسان وليس يناله كل أحد؛ {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} .
فحذار.. حذار.. من التخلف عن ذلك الركب.
واحرص - يا أخ التوحيد - أن تكون من هؤلاء الذين يحبهم الله ويحبونه، فإن القافلة إذا سارت وشُدت الرحال تخلف العاطل، وظهر الحق من الباطل.
قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والأنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} .
لمّا كثُر المدّعون للمحبة طُولِبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يُعط الناس بدعواهم لأدعى الخلي حرقة الشجي؛ فتنوع المدعون في الشهود، فقيل؛"لا تُقبل هذه الدعوى إلا ببينة"، {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ، فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه،