فطولبوا بعدالة البينة بتزكية؛ {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} ، فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون، فقيل لهم؛"إن نفوس المحبين وأموالهم لسيت لهم فهلموا إلى بيعة"، {إن الله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة} ، فلما عرفوا عظمة المشترى وفضل الثمن وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع عرفوا قدر السلعة وأن لها شأنًا، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي من غير ثبوت خيار، وقالوا؛"والله لا نقيلك ولا نستقيلك"، فلما تم العقد وسلموا المبيع، قيل لهم؛"مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معها".
{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون} .
قال ابن كثير رحمه الله: (يخبر تعالى أنه عاوض من عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملك بما تفضل به على عباده المطيعين له، ولهذا قال الحسن البصري وقتادة؛"بايعهم الله فأغلى ثمنهم") .وقال تعالى: {ويتخذ منكم شهداء} .
قال السهيلي رحمه الله: (وفيه فضل عظيم للشهداء وتنبيه على حب الله إياهم) .
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وماله على الأرض من شيء إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة) .
ولما قُتل عبدالله بن عمر بن حرام يوم أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا جابر ألا أخبرك ما قال الله لأبيك، ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا، فقال؛"يا عبد الله تمنّ علي أعطك؟"، قال؛"يا رب! تُحييني فأقتل فيك ثانية"، قال؛"إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون"قال: يارب أبلغ من ورائي) ، فأنزل الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون} .
وعن ابن عباس قال؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتؤوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا؛"من يبلغ إخواننا عنا انا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا في الحرب؟"، فقال الله؛"أنا أُبلّغهم عنكم"، فأنزل الله تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} ) .
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول؛ (أول ثلة تدخل الجنة الفقراء المهاجرون الذين تتقى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإذا كانت لرجل منهم