به البعض سقط عن الباقين، فماذا لو كان الجهاد فرض عين؟ تُرى لو كان ابن عبيد في زمانا ماذا تظنون أنه قائل؟ والله لكان لسان حاله:
فيا جبال اقذفي الأحجار ... ... ويا سما ء امطري مهلًا وغسلينا
ويا كواكب آن الرجم فانطلقي ... ما انت إن أنت لم ترمي الشياطينا
لقد حل بالأمة ما حل من ويلات ونكبات وتعطيل لشريعة رب الأرض والسماوات يوم تخاذل علماء الأمة عن التضحية، يوم أن ضعفت جذوة الجهاد في صدورهم، فتخلفوا عن الركب، يوم غاب عن أذهانهم أن الأمة لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا بدماء العلماء، وأن التضحية بدمائهم هو نتاج طبيعي للإرث النبوي الذي ورثوه في صدورهم.
ورحم الله ابن حزم يوم أن قال:
مناي من الدنيا علوم أبُثّها ... وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن التي ... تناسى رجال ذكرها في المحاضر
وألزم أطراف الثغور مجاهدًا ... ... إذا هيعة ثارت فأول نافر
لألقى حمامي مقبلًا غير مدبر ... ... بسمر العوالي والدقاق البواكر
كفاحًا مع الكفارفي حومة الوغى ... ... وأكرم موت للفتى قتل كافر
فياربّّّ لا تجعل حمامي بغيرها ... ... ولا تجعلني من قطان المقابر
ذلك ابن حزم... وأنعم بابن حزم.
أمّا انتم يا علماءنا؛ فقد هادنتم الطواغيت وأسلمتم البلاد والعباد لليهود والصليبيين، وأذنابهم من حكامنا المرتدين، يوم أن سكتم عن جرائمهم وجبنتم عن الصدع في وجوههم، وعجزتم عن حمل راية الجهاد والتوحيد التي كلفكم الله بها، يوم أن قتلتم الغيرة والحمية على دين الله في قلوب الشباب ومنعتموهم من النفير إلى ساحات الوغى، ففرغت ساحات الوغى من الأسود إلا من رحم الله، فلا تكاد تجد عالمًا بيننا يُستفتى.
يا عباد الله؛
لا تكاد تجد عالمًا بيننا يُستفتى، ولا طالبًا به يقتدى، ولا قائدًا ربانيًا يقود بنا البحر. لقد خذلتمونا في أحلك الظروف، وأسلمتمونا إلى عدونا، وخليتم بيننا وبينه، وغفلتم عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه أبو داود حيث قال: (ما من امرئ يخذل امرئً مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته) .
أليس فيكم من يغُط غطة سعيد بن عامر، فقد ذكر أصحاب السير أن أهل حمص شكوه حين كان واليًا عليهم إلى عمر، وعابوا عليه أمورًا، منها؛ أنه كان يغط وتتجلله الغشية حتى يشق ذلك على الناس. فأجاب معتذرًا: (شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة وقد بضّعت قريش لحمه وحملوه على