يقول سيّد رحمه الله معلقًا على حادثة أصحاب الأخدود: (لم يكن بد من هذا النموذج الذي لا ينجوا فيه المؤمنون، ولا يؤخذ فيه الكافرون؛ ذلك ليستقر في حس المؤمنين أصحاب دعوة الله أنهم قد يُدعون إلى نهاية كهذه النهاية في طريقهم إلى الله، وأن ليس لهم من الأمر شيء، وإنما أمرهم وأمر العقيدة إلى الله. إن عليهم أن يؤدوا واجبهم ثم يذهبوا، وواجبهم أن يختاروا الله، وأن يؤثروا العقيدة على الحياة، وأن يستعلوا بالإيمان على الفتن وأن يصدقوا الله في العمل والنية، ثم يعمل الله بهم وبأعدائهم كما يفعل بدعوته ودينه ما شاء، وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان، أو إلى غيرها مما يعلمه الله ويراه. وإنهم أجراء عند الله، أفيحُسن لمن باع شاة أن يغضب على المشتري إذا ذبحها، أو يتغير قلبه لذلك؟!) .
ألم تسمع عما حدث لأسد الله وأسد رسوله؛ حمزة؟ لقد بُقر بطنه وأخرجت كبده ومثّل به.
وما جرى لخير الخلق صلى الله عليه وسلم يوم أحد.
وتأمل الأنبياء والرسل وهم صفوة الخلق؛ فلقد أُلقي في النار إبراهيم عليه السلام، ونشر بالمنشار زكريا،، وذُبح السيد الحصور يحي، ومكث أيوب في البلاء سنوات، وسجن في بطن الحوت يونس، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين.
كل ذلك وهم راضون عن ربهم ومولاهم الحق.
وقد كان بعض السلف يقول: (لو قرض جسمي بالمقاريض أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله ليته لم يكن) .
فكونوا إخوتي من هؤلاء الذين لا يُزاحم تدبيرهم تدبير مولاهم ولا يناهض اختيارهم اختياره سبحانه، فهؤلاء لم يتدخلوا في تدبير الله بملكه؛"لو كان كذا لكن كذا"ولا ب"عسى"، و"لعل"، و"ليت"، فاختيار الله لعبده المؤمن أعظم اختيار، وهو أفضل اختيار مهما كان ظاهره صعبًا أو شاقًا، أو فيه هلكة للمال أو ضياع للمنصب والجاه، أو فقد الأهل أو المال، أو حتى ذهاب للدنيا بأسرها.
وتذكروا قصة غزوة بدر وتفكروا فيها جيدًا؛ فلقد أحبّ بعض الصحابة رضي الله عنهم وقتها الظفر بالعير، ولكن الله سبحانه اختار لهم النفير، وفرق بين الأمرين عظيم. فماذا في العير؟ إنه طعام يؤكل ثم يذهب به إلى الخلاء، وثوب يبلى ثم يلقى، ودنيا زائلة. أما النفير؛ فمعه الفرقان الذي فرق الله به بين الحق والباطل، ومعه هزيمة الشرك واندحاره، وعلو التوحيد وظهوره، ومعه قتل صناديد المشركين الذين يقفون حجر عثرة أمام الإسلام، ويكفي أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم.
أيها المجاهدون:
عند الابتلاء يكثر المتقهقرون، فلا تحزنوا لذلك.