نظم في الشتاء الماضي أيام المعرض الزراعي؛ ولكن ما نشهده نحن في القاهرة من هذه الألعاب والملاهي ليس إلا جزءًا يسيرًا مما يضمه حي براتر من الأندية والمسارح المختلفة التي تعرض فيها أحدث وأغرب الألعاب والمناظر البهلوانية المدهشة التي يطبعها جميعًا طابع المرح والحداثة والدعابة.
وفي براتر يجتمع أخلاط المجتمع من جميع الطبقات؛ ذلك أنه يضم فضلًا عن الملاهي والألعاب الكثيرة، طائفة من المقاهي والمطاعم الأنيقة التي يرتادها زوار الطبقات الرفيعة، ويقصدها المحبون ليعتكفوا في أركانها ومخادعها، ولينهلوا كؤوس الحب بعيدًا عن صخب الأندية الحافلة؛ وقد كانت براتر وما تزال مهبط الحب. ولكم كانت في الماضي مسرحًا للحوادث الغرامية الأنيقة بين أبناء الطبقات الرفيعة؛ بل إن اسم براتر ليمثل في مأساة غرامية من أشهر وأروع ما عرف تاريخ الحب: ففي دروب براتر التقى الأرشيدوق رودلف وماري فتشرا في أواخر القرن الماضي؛ وكان الأرشيدوق رودلف ولد الإمبراطور فرنز يوسف وولى عهده يومئذ؛ وكان فتى مضطرم الأهواء يثور على الرسوم والتقاليد الملوكية، ويشغف بالتجوال في أحياء فينا والاغتراف من مسراتها الشعبية، وكان كثيرًا ما يرتاد معاهد براتر ويمرح فيها. وكانت ماري فتشرا فتاة رائعة الحسن من أسرة نبيلة، فلمحها الأرشيدوق ذات يوم في براتر وهام بها حبًا، وهنالك تفتحت في قلبيهما زهرة الحب. وكان العاشقان يتنزهان أحيانًا في طريق براتر السلطانية المعروفة (بالدرب الكبير) وأحيانًا يلتقين في مقهى هنالك يعرف (بدار الأنس) وهو ما يزال قائمًا في براتر إلى يومنا. ونحن نعرف كيف كانت خاتمة العاشقين المؤسية في قصر مايرلنج في ضواحي فينا، حيث وجد الأمير وماري فتشرا في صباح ذات يوم من سنة 1889 قتيلين برصاص المسدس ولم تعرف أسباب المأساة وظروفها قط، وكل ما قيل يومئذ إن الأمير في نزعة من نزعاته قتل حبيبته ثم انتحر؛ وذاعت يعد ذلك روايات أخرى، بيد أن سر المأساة لم يعرف قط.
وفي هذه الحادثة التاريخية التي اقترنت باسم براتر ما يفسر منزلة براتر ومعاهدة في قلوب المجتمع النمساوي؛ وما زالت ذكريات هذه المأساة الغرامية تغشي أفق براتو، وما زالت ذكريات شهيرة أخرى تمتزج بمعاهد براتر وأنديته ومغانيه؛ وقد كانت هذه الحوادث