أدَعه حيث هو، فإن الذي قرأ ما كتبت يعلمُ مقدار ما في هذا الكلام من الجودة وحسن الأداء وقوة الحجة وجلاء البيان وسعة الاضطلاع وبلاغة الفهم، ولكن بعض أصحابنا لم يزل بي حتى أخذ مني موثقًا أن أقول كلمتي فيه.
وهذا النقد الذي رماني به أخي الأستاذ سعيد ليس مما يثيرني ويغريني بحمل السلاح والاستعداد للمعركة. ولست أقول هذا استصغارًا لما يقول أخي أو استكبارًا لما قلت، بل هو حكمي عليه مجردًا من كل ما يجعل الحكم قاصرًا أو باغيًا.
وهذا الذي كتبه الأخ سعيد ليس مما أعده عندي نقدًا، وإنما هو اعتراض، والاعتراض شبهة، والشبهة يزيلها البيان. أما النقد فأمر آخر لم يسوّغ للأخ أن يظفَر بالقدرة عليه فيما كتب.
وقد أُتي الأخ سعيد في كلامه من قِبل أنه عدَّ الأخبار المروية عن نبوة المتنبيّ وغيرها أخبارًا صحيحة ابتداء، وهذا أوّل الزلل في نقد الناقد. ولا بد لمن يريد أن ينقد ناقدًا أو يكتب فيما يتناول الروايات والأخبار أن يتحقق بدءًا بمعرفة الأصول في علم الرواية، وأن يستيقن من قدرته على ضبط الفكرة حتى لا تنتشر عليه وتتفرق، ويقع فيها الاختلاف والتضارب والمناقضة. فلا بُدَّ لي هنا من أن أدل الأخ على الأصل في الأخبار حتى يعرف فرقَ ما بين الذي انتهينا إليه، والذي وقف عنده غيرنا، ثمّ نكشف له عن الشبهة التي جعلته يعترض الذي كتبناه بالذي رفضناه ورددناه وأسقطنا الثقة به والاعتماد عليه.
فالأخبار جميعًا تحتمل الصدق والكذب كما يقولون، ومعنى ذلك أنها على حالة من البراءة الأولى لا توصف بصِدقٍ ولا بكذبٍ. ولا يستحق الخبر صفة الصدق إلا بالدليل الذي يدلّ على صدقه، فإذا لم تجد الدليل على صدقه ذهبت عنه صفة الصدق وبقي موقوفا. فإذا اعترضتْه الشبهات من قِبَل روايته أو من قِبَل درايته مالت به الشبهة إلى ترجيح الكذب فيه، فلا يؤخذ به ولا يعتمد عليه، ويكون عمل الناقد بعد ذلك أن ينظر في هذا الخبر نظرة التدبر ليستخرج الحقيقة التي من أجلها تكذَّبه راويه، وبذلك يقع على حقائق مدفونة قد سترها الراوي بما كَذَب. وقد أشرنا إلى ذلك في كتابنا (المقتطف يناير سنة 1936 ص111) وإليك ما قلناه:
(اعلم أن أكثر ما يُروى في ترجمة هذا الرجل وغيره من الرجال، إنما كان من الأحاديث