قلت: إن من بعض ما يكون به الجمال جمالًا انه ظالم قاهر عنيف كالملك يستبد ليتحقق من نفاذ امره؛ وكأن الجميل لا يتم جماله إلا إذا كان أحيانًا غير جميل في المعاملة.
قال: ولكن الأمر مع هذه الحبيبة بالخلاف؛ فهي تطلبني واتنكبها، وهي مقبلة لكنها مقبلة على امتناعي؛ وكأنها طالب يعدو وراء مطلوب يفرّ، فلا هذا يقف ولا ذلك يدرك
قلت: فإن هذه المشكلة، ومتى كانت الحبيبة مثلها، وكان المحب مثلك، فقد جاءت العقدة بينهما معقودة من تلقاء نفسها فلا حل لها
قال: كذلك هو، فهل تعرف في البؤس والهم كبؤس العاشق الذي لا يتدبر كيف يأخذ حبيبته، ولكن كيف يتركها؟ ما هي المسافة بيني وبينها؟ خطوة، خطوتان؟ كلا، كلا؛ بل فضائل وفضائل تملأ الدنيا كلها. إن مسافة ما بين الحلال والحرام متراخية ممتدة ذاهبة إلى غير نهاية. وإذا كان الحب الفاسد لا يقبل من الحبيب إلا (نعم) بلا شرط ولا قيد لأنه فاسد، فالحب الطاهر يقبل (لا) لأنه طاهر؛ ثم هو لا يرضى (نعم) إلا بشرطها وقيدها من الأدب والشريعة وكرامة الإنسانية في المرأة والرجل
وإذا لم ينته الحب بالإثم والرذيلة، فقد أثبت أنه حب؛ وشرفه حينئذ هو سرُّ قوته وعنصر دوامه
أتعرف أن بعض عشاق العرب تمنى لو كان جملًا وكانت حبيبته ناقة. . . .؟ إنه بهذا يود ألا يكون بينهما العقل والقانون وهذا الحرمان الذي يسمى الشرف، وألا يكون بينهما ألا قيد غريزتها الذي ينحلُّ من تلقاء نفسه في لحظة ما، وأن يترك لقوته وتترك هي لضعفها؛ والقوة والضعف في القانون الطبيعة هما ملك وتمليك واغتصابٌ وتسليم
قلت: وهذا ما يفعله كل عاشق لمثل هذه الراقصة إذا لم يكن فيه إلا الحيوان، فان بينهما قوة وضعفًا من نوع آخر، فمعه الثمن وبها الحاجة، وهما في قانون الضرورة ملك وتمليك
قال: وهذا مما يقطّع في قلبي، فلو أن للأمة دينًا وشرفًا لما بقي موضع الزوجة فارغًا من رجل، وإن هذه وأمثالها إنما ينزلن في تلك المواضع الخالية أول ما ينزلن، فكل بغيّ هي في المعنى دينٌ متروك وشرف مبتذل في الأمة
قلت: فحدثني عنك ما هذا الوجد بها وما هذا الاحتراق فيها، وأنت قد كنت بين يديها خاليًا محصنًا كأنما جمعتها في حواسك فأخذتها وتركتها في وقت معًا. وحواسك هذه لا تزال كما