يا لها من ليلة سوداء!. ما له لا يتحول عن هذه النافذة؟. . وخطر لي أنه يتوهم أني قد أهرب منها فإنها تؤدي إلى شرفة تنتهي من آخرها إلى السلم، فقلت أعطيه القروش التي لا يستحقها وأريحه وأستريح فقد طلبت شيئًا باردًا فجاءني بشاي سخن. وأحسب أنه لم يسمع أو لعله ظن الشيء شايًا. فما أذكاه!. . وبدا لي أني أظلمه فليس ذنبه أنه أسود وإن جثته ضخمة وإن شكله بغيض، ثم أن له حقًا في الوقوف حيث يشاء مادام لا يزحم المكان؛ وأين بالله يقف إلا في مدخل باب أو نافذة استعدادًا لتلبية الطلبات؟ فلندعه على كل حال.
وأردت أن أنهض وأنصرف فقد تأخر صديقي جدًا ولم يعد من المنتظر أن يحضر، ولكني استحييت أن أمشي أمام هؤلاء الفتيات الجميلات وضننت بهن أن أعكر عليهن صفوهن برؤية رجل أعرج يظلع أمامهن، وقلت أنتظر حتى يستأنفن الرقص ويشغلن به عني. ولست أستحي من العرج الذي منيت به فما فيه ما يدعو إلى الخجل، لكني أكره الفضول وأستثقل من الناس أن يديموا النظر إلى رجلي كأنها شيء غريب جدًا. وما ركبت الترام قط إلا ضايقني الناس بهذا الفضول. وما أكثر ما رأيتهم يتحدثون ويشيرون إلى ساقي غير عابئين بشعوري. ولهذا رأيت أن اتخذ سيارة لأريح نفسي من هذا الفضول
وودعت الخادم الغليظ وتحريت أن أرضيه فقد ظلمته وإن كان هو لا يدري ولا يعرف ما كان يدور في نفسي كلما وقف إلى جانبي. وخرجت مترنحًا - لا من السكر فما شربت إلا ماء فقد تركت الشاي - وإنما كنت أترنح لأن رأسي كان يدور. ولي العذر فقد يحتمل المرء واحدة جميلة ولكن من العسير أن يحتمل فتنة كل هذا الجمال الراقص
إبراهيم عبد القادر المازني