البعير، لكيف عن اتباع محمد، فلا يزيد على قوله: أحد، أحد؟ أو ما تذكرين يوم أسرت هذيل زيد بن الدئنة وباعته من قريش لتقتله ببعض قتلى بدر، فتقدم إليه أبو سفيان، وهو واقف على أبواب الأبدية وقال: أنشد الله يا زيد: أيسرك أن محمدًا الآن في مكانك تضرب عنقه، وأنت في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن تصيبه شوكة في قدمه وأنا في أهلي. أليس معنى ذلك أن القوم يتفانون في حب محمد ودين محمد، وهم أشد ما يكونون تفانيا إذا حزب الأمر واشتدت اللازبة وتحرجت المواقف)
قالت الأولى: لقد ذكرتني بأبي سفيان وإنني أكاد ألمح شخصًا يشبهه في سواد الجيش، يسير تحت لواء محمد. انظري معي، أنعمي النظر، كأنه هو، عجبًا! أترينه هو أيضًا سرى فيه تيار كهرباء محمد وجذبه مغناطيسه فاستجاب له، بعد أن ناهضه من بدء دعوته؟ أليس هو قائد جيش المشركين ببدر، ثم بأحد ثم بالخندق؟ ثم أليس هو زوج هند بنت عتبة التي مضغت كبد عمه حمزة بأحد، وأرادت أن تشفى صدرها بابتلاعها لولا أن شعرت بمرارتها فلاكتها، ثم قذفتها، والتي آلت إلا يطأ فراشها أبو سفيان بعد بدر حتى ينتقم لأبيها وأخيها، والتي جدعت أنوف صرعى المسلمين بأحد، وصلمت آذانهم، واتخذت من كل ذلك قلادة تحلى بها عنقها؟ ليت شعري أترينها هي أيضًا قد استجابت لمحمد فاستجاب بعلها، إنها لأحاجي وألغاز
قالت الثانية: حقا أنني لألمح أبا سفيان يسير تحت لواء محمد بجوار عمه العباس، وليس غريبا أن يكون تيار محمد جرفه كما جرف آلافا من أمثاله. إن تيار محمد جارف، وريحه عاصفة تجتاح كل ما يعترضها في طريقها، ولئن كان أبو سفيان ناهض الإسلام ضعيفًا لما ضره أن يؤيده قويًا. وما أقل أشياع الضعيف حتى يشتد ساعده فيكثر أشياعه، وينضوي تحت لوائه من أسرف في عدائه. وهل تعتقدين أن كل من ناوأ الإسلام ناوأه مقتنعًا ببطلانه، أو أن كل من أيده أيّده بدافع من وجدانه؟ وهل كان أبو سفيان بدعا في الرجال؟ كم لأبي سفيان من أمثال وأشباه، كانت لهم تجارة وجاه أشفقوا عليهما وعلى أنفسهم من الهوان فصدهم ذلك عن الإيمان. أما وقد تغير مركز محمد فيجب أن يعتدل موقف هؤلاء من محمد. وما يدريك أن أبا سفيان سيجني من وراء إيمانه خيرًا كثيرًا؟ وما يدريك أنه سيخرج من بين صلب أبي سفيان وترائب هند من يفتح البلاد ويتحكم في رقاب العباد