القاعد، إذ كان من يعيش يرى ومن يسير يرى أكثر كما يقول المثل العامي. وقد كان وردزورث يقطن مقاطعه البحيرات في إنجلترا وكان كثير التجوال بين الجبال والروابي، فجاء لفظة مجردًا عاريًا عري الصخور وتجردها، وكثرت فيه ألفاظ الوحشة والوحدة وهلم جرا. ونشأ كبلنج في الهند فامتلأ شعره وقصصه بوصف غياضها وأدغالها، وحفل بالتعصب الجنسي المتطرف؛ وتركت رحلات المتنبي بعض الآثار في أشعاره، من وصف الطبيعة كوصف بحيرة طبرية وشعب بوان، إلى وصف الأحوال السياسية في مثل قوله:
بكل أرض وطئتها أمم ... ترعى بعبد كأنها غنم
فإلى البيئة إلى ينشأ فيها الأديب وتضطرب في محيطها حياته، مرد ما يمتاز به أدبه من اتجاه خاص وطرق موضوعات دون غيرها، وتناول لها على نحو خاص، وما يتصف به من سمو أو ضعة، وورع أو استهتار، وفكاهة أو انقباض، وتفاؤل أو تشاؤم، وعمق أو سطحية، يختلف حظه من كل ذلك عن حظوظ أبناء أمته بل أبناء جيله بل أصحابه وخلفائه؛ وبسبب عوامل البيئة تلك يختلف عنترة وعمر بن أبي ربيعة والشريف الرضي والمتنبي في العربية في الموضوع والنزعة واللفظ والاسلوب، كما يختلف وردزورث وبيرون وسكوت وشلي في الإنجليزية، حتى يستغث الثاني شعر الأول أي استغثاث، ويجمل الثاني رأيه في الأخير في قوله: ذلك الملحد شلي! وما ذاك إلا لاختلاف ما يحمل رأس كل منهم من أثار الوراثة والثقافة والعقيدة والتربية والنشأة، على تعاصرهم وتشاركهم في وجوه أخرى، وعلى كونهم يعدون اليوم أبناء مدرسة واحدة.
على أن اختلاف بيئات الأدباء أشد ظهورًا في الإنجليزية منه في العربية، لأن أدباء الإنجليزية أكثر اضطرابًا في المجتمع وإدخالًا له في أدبهم وأكثر ارتحالًا في البلدان وذهابًا في آفاق الفكر وإعرابًا عن أفكارهم الصميمة وأثار تجاربهم، ولأن المجتمع الإنجليزي تغير وتجدد على توالي العصور من عهد اليزابث إلى الوقت الحاضر ما لم يتغيره المجتمع الإسلامي، والثقافة الإنجليزية تطورت بتقدم العلوم ما لم تتطوره الثقافة العربية، فالمحافظة كانت أغلب على المجتمع والفكر العربيين، وهي أيضًا كانت سمة الأدب العربي وديدن أدباء العربية، ومن ثم تشابهوا كثيرًا في الموضوعات والأساليب على تباعد المواطن والعصور.