وقف روحه وحريته التي لا يحيا إلا بها؟ كيف أدعو إلى حبسه ضمن تقاليد جديدة؟ ولكأني بذلك أهدم تقاليد وأرفع تقاليد وفي هذه وتلك عبودية، وفي العمل نفسه عبودية أدهى!
أجل! لا أريد أن يكون الأدب كله اجتماعيًا، أو ذاتيًا، أو إنسانيًا أو قوميًا! وإنما أنشد أدبًا حرًا يستوحي إبداعه من قلب الحياة، لا يكونه من الحياة على هامشها، وإنما على متنها. ولا يمر هو بجانب ويترك الحياة بجانب آخر. وإنما همه أن يرافق الحياة في مراحلها، ويعمل على تفوقها وتساميها. همه أن يوجه الحياة كما يريد. وإذا تحدثت عن اتجاهات يتجه إليها فإنما هي اتجاهات يكون للأديب فيها مادة غزيرة، وعالم نبيل الغرض.
إننا أمة لا نزال في دور الكفاح، الكفاح في كل نواحيها. ودور الكفاح دور اضطراب وحركة، وهذا الدور لا يجمل بالأديب أن يمر به هادئًا ساكنًا دون أن يرفع صوته، وإنك لن تجد أمة خلا مثل هذا الدور فيها من أدب يمثلها ويعبر عنها ويستحثها ويجعل قلبها بركانًا هادرًا مهما كانت هذه الأمة حرة النزعة، إنسانية المبدأ. لأنها ترى قوميتها مثل إنسانيتها، ولن يصدق للإنسانية قلب لا يصدق لوطنه، وليكن أدبنا مجردًا ما أراد، متوجهًا حيثما توجه، ولكنا نريد معه أدبًا قويًا يساهم في بناء الجبهة القومية، ويستمد روحه من الثقافة القومية، ونريد معه أدبًا اجتماعيًا يخلق ثورة التجديد والإبداع وينفض هذه المزق الرثة من التقاليد، إذ لا يؤتى الانقلاب السياسي ثمره إذا لم يكن مقرونًا بالانقلاب الاجتماعي.
أحس هنا بل أكاد أسمع أصواتًا تنادي من حولي: أتريد أن تجعل من الأدب الواسع الإنساني خادمًا للقومية، ومهذبًا للمجتمع؟ كأنك لم تعرف التعاريف الأولية التي تفصل الأدب عن القوميات والفن عن الأخلاق التي ضيقت حدوده وأفسدت جماله الذي لا يحيا إلا في المطلق!
بلى! إني أفهم كما يفهمون، وأدرك أن للأدب غاية أسمى وأعلى، ولكني ممن يعتقدون أن الأدب لا يتجرد من شخصية أمته كالأديب لا يستطيع أن يتجرد من شخصيته ولا يمكنه أن يكون إنسانيًا قبل أن يكون قوميًا؛ وإذا تكلمت عن اتجاهات أدبنا الحاضر فإن عوامل كثيرة تحملني على تحديد هذه الاتجاهات؛ وقد تكون هذه الاتجاهات مفيدة لظروف حاضرة تموت بموتها، وقد يبطل غدًا بعضها ويبقى بعضها، وقد يبطل كلها ولكن ما همي مادمت أعتقد