إذا درس الإنسان في التاريخ اندثار الحضارات والأمم وتمكنت تلك الدراسة من نفسه لا يروعه زوال عمل عمره كما كان يروعه لو لم تتمكن ذكرى مشاهد ذلك الاندثار من نفسه، ومن أجل ذلك كنت قد طبت نفسًا عما بذلت من جهد وعمل في الأدب وفي غير الأدب. لكن بعض الأفاضل لا يكتفون مني بذلك بل يريدون أن يغالوا في انتقاص ما قدَّمت من عمل، وبعضهم لا يكتفي بانتقاص عملي ويأبى إلا أن يتخطاه إليَّ. وليسوا كلهم من هذا القبيل، فبعضهم أو أكثرهم يستهويه غيره فيتكلم أو يبدأ في منطقه وتفكيره من العام إلى الخاص فيضع رأيًا نظريًا أولًا ثم يلتمس الشواهد ويفسر الأمور على أن تكون أدلة لرأيه، وكان الأليق به أن يتقصى معرفة الأمور أولًا ويستخلص من شواهدها الشاملة الكاملة رأيًا. لكن حضرات الأفاضل النقاد كثيرًا ما يخادعون أنفسهم ويظهرون الغيرة على الرأي لا حبًا للحق وللصواب.
والذي يريد أن يضع رأيًا ثابتًا عامًا، إن كان في هذا الوجود أمر ثابت لا يتغير، ينبغي له أن يُفْنِي جزءًا كبيرًا من عمره للتقصي والبحث والإلمام بكل ناحية من نواحي الموضوع حتى لا يكون حكمه مخطئًا. والأساتذة الأفاضل الشبان يحسبون أنهم قد قتلوا الموضوع بحثًا وأن إدراكهم له أكثر من إدراك الشيوخ؛ فهم إذا تكلموا عن التفاؤل والتشاؤم في قول - ناثر أو شاعر لم يميزوابين أثر الحالات العارضة الزائلة، وبين نظره إلى مستقبل الإنسانية؛ ولم يفرقوا بين التشاؤم الذي هو تثبيط وبين التشاؤم الذي هو استحثاث للهمم؛ ويحسبون أن كل وصف للشقاء تشاؤم كأنهم لا يعرفون أن الغفلة عنه والتفاؤل بها هو تشاؤم أحَرُّ من التشاؤم، ويخلطون بين ما تظهره الدراسات النفسية السيكولوجية من حقائق مُرة وبين التشاؤم. كأنهم يريدون أن يبقى الناس على جهلهم بنفوسهم، وهذا هو التشاؤم حقًا؛ وإنما يكون التفاؤل أن تعرف النفس نفسها، وأن يكون لهذه الدراسة والمعرفة أثر في صلاحها ورقيها؛ وهم أيضًا لا يميزون بين ما قد يدعو إليه شعر العاطفة والدراسات النفسية من وصف حالات النفوس على اختلاف تلك الحالات من حسنة وكريهة، لا دعوة للتثبيط بل دعوة إلى أن يكون الشعر شعرًا حيًّا لا أدبًا ميتًا متكلفًا للتفاؤل ومكفنًا به. ولا يميز هؤلاء الأفاضل بين يأس العجز والقنوط والتراخي، ولا بين يأس الاستبسال الذي هو قوة تفوق أمل أحلام المخدرات وأماني ذوات الخمار. والذي يدعو إلى التشاؤم حقًا هو أن