نصيحة المخلص! أشهدي أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله). ولكنها أجابته بقوله: (والنجوم اللامعة، لن أكون قط حمقاء بدخول دينك. إنني أنفض يدي منك ومما أنت فيه، وأعتصم بعقيدتي)
وكان قد ضرب موعد ليجتمع سرًا بالعقبة من أسلموا في العام الماضي وذلك لكيلا يثيروا حولهم شبهات القرشيين أو عداوتهم؛ وجاء محمد ومعه عمه العباس الذي كان لا يزال وثنيًا حينئذ ولكن سمح له أن يحضر هذا الاجتماع السري. أفتتح العباس هذا الاجتماع الجليل موصيًا بابن أخيه، ومشيرًا إلى أنه ينتمي إلى أسرة من أشرف أسرات قبيلته التي وإن كانت لم تقبل تعاليمه إلا أنها ما زالت تحميه؛ أما وقد أبى إلا الانحياز إلى أهل يثرب واللحاق بهم فإن عليهم أن يتدبروا الأمر بحكمة قبل أن يأخذوا العهد على أنفسهم، وأن يصمموا ألا ينكثوا عهدهم متى قبلوا تحمل هذا الأمر الخطير، فاحتج البراء بن معرور الخزرجي قائلًا: إنهم واثقون من عزمهم على حماية رسول الله، وتوسل إلى العباس أن يذكر ما يريدهم أن يعاهدوا الرسول عليه
بدأ محمد يقرأ بعضًا من القرآن، ويحثهم على أن يصدقوا في دينهم الذي اعتنقوه من وحدانية الله ونبوة محمد رسوله، ثم سألهم بعد ذلك أن يمنعوه وأصحابه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: (نعم! والذي بعثك بالحق لنمنعك كما نمنع أنفسنا، ونعاهدك على طاعتك، وأن تكون لنا هاديًا. فنحن أبناء الحروب، وأهل الحلْقة، ورثنا كابرًا عن كابر) . وهكذا أخذ الجميع يد الرسول واحدًا بعد آخر، وبايعوه على الطاعة.
ولما علمت قريش بهذا الاتفاق السري عادت إلى اضطهاد المسلمين مرة أخرى، فنصحهم الرسول أن يهاجروا من مكة، وقال لهم: (اخرجوا إلى يثرب فإن الله قد جعل لكم إخوانًا في تلك المدينة، ودارا تأمنون بها) فخرجوا إلى يثرب إرسالا، حيث لاقوا إكرامًا عظيمًا، وكان إخوانهم في الدين من أهل يثرب يتنافسون فيما بينهم كل يريد أن يحظى بشرف الإكرام، وليقدموا لهم ما يحتاجون. ولم يمض شهران حتى هاجر من مكة تقريبًا كل المسلمين - وقد بلغ عددهم مائة وخمسين - اللهم إلا أولئك الذين قبض عليهم أو سجنوا، وأولئك الذين لم يستطيعوا الخلاص من الأسر. وتحدثنا الأخبار عن أحد أولئك المسلمين - صهيب - الذي