السهلة أهلها بهذه السهولة، فالمصريون فيهم من الطفولة البشرية ما في أرضهم وجوّهم من الطفولة والسلاسة، وهذه الطفولة نفسها هي أخصب مجال للفن إذا اتفقنا على أن الفن الصادق هو ما كان مبعثه الحس لا التفكير. والشعب المصري يشهد بهذه الحقيقة؛ فما من مصري إلا وله اتجاه فني خاص؛ وأغلب المصريين يتجهون إلى الغناء والنكتة، والغناء فن، والنكتة فن. هذا إلى جانب ما يشيع في المصريين على مر الزمن من إدمانهم لفن (التدين) الذي آثروه على بقية الفنون فتيسر لهم من ألوانه ما تتابع عليهم وعلى حياتهم منذ ألهوا فراعينهم إلى هذا الزمن الذي وحدوا فيه الله توحيدًا صريحًا، ولكنهم مع هذا التوحيد أبو إلا أن يتزلفوا بالتقديس إلى أرباب القباب من الموتى، وأهل الزعامة من الأحياء.
فالشعب المصري إذن شعب فنان لأن أرضه تبعث الفن بما لها من السهولة والنقاء.
فإذا فرغنا من دراسة مصر جغرافيًا وجب علينا أن ندرسها بعد ذلك اجتماعيًا. وقد لا يجهدنا هذا الدرس إذا سلكنا إليه أقرب السبل فقلنا: إن المصريين سكان هذه الأرض المتشكلين بأشكالها، هم إما صحراويون طبعتهم الصحراء بطبعها، وإما ريفيون شكلهم الريف بشكله، وإما ساحليون لونهم البحر بلونه. . . ولعلنا نعرف أن كل بيئة من هذه البيئات الجغرافية تؤثر في طباع أهلها تأثيرًا خاصًا، فابرز ما يميز أهل الصحراء الشمم لدوام حريتهم وإبائهم الضيم؛ وأبرز ما يميز أهل الريف الصبر لخضوعهم الإجباري لنظام الزراعة ومواقيتها؛ وأبرز ما يميز أهل السواحل روح المغامرة التي يبعثها في نفوسهم التجول في البحر. وإلى جانب هذه الصفات البارزة في أهل كل بيئة من هذه البيئات الجغرافية صفات أخرى لابد أن يحسها الفنان، وقد يستطيع الباحث المتفهم أن يستطلعها.
فرغنا الآن من مصر المعاصرة فألمنا بها أرضًا ومجتمعًا. ولكن مصر المعاصرة هذه ليست مصر كلها، فأن لمصر تاريخًا ماضيًا، وإن لها آمالا في المستقبل؛ وإن لها في الحاضر نفسه صلات بغيرها من الشعوب؛ وتاريخ مصر الماضي يتمم كيانها الحاضر، ويساهم في رسم طريق المستقبل وتعبيده، وإن آمالها التي ترجوها في المستقبل تحيا في حاضرها وتوقظ من ماضيها ما تستلزمه وما تريد أن تعتمد عليه، وإن صلاتها الحاضرة بغيرها من الشعوب والأمم تعمل هي أيضا في تبلور كيانها، ولعل هذه الصلات هي أشد العوامل تأثيرًا في الذات المصرية الناشئة، ولعلها أشدها خطرًا على استقلال هذه الذات،