صدوقًا، كثير التزمت والورع، وإن كان منحرفًا عن أهل السنة إلى المعتزلة، ولهذا كان يلقى جفوة من أستاذه الأصمعي السنّي المتشدد فقلّت روايته عنه. وقد بلغ من زهده أن يهوديًا بذل له مئة دينار ليقرئه كتاب سيبويه، فامتنع من ذلك! فقال له تلميذه المبرد: جُعلت فداك! أتردّ هذه المنفعة مع فاقتك وشدة إضاقتك؟ فكان جوابه: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا وكذا آيةً من كتاب الله عزّ وجلّ، ولست أرى أن أمكّن منها يهوديًّا غيرةً على كتاب الله وحمية له.
ونرجو أن يثاب المازني على حسن نيته، وإن كنا لا نقره على هذه العصبية. ومهما يكن من شيء فإنه لم تمض غير برهة قصيرة حتى أرسل الخليفة الواثق في طلبه ونفحه بالأعطيات السنية، فعدّ الناس ذلك إكرامًا من الله له وإخلافًا عليه.
أما سبب طلب الواثق له فقد حدث أن مخارقًا غناه في شعر الحارث بن خالد المخزومي.
أظلوم إن مصابكم رجلًا ... أهْدَى السلامَ تحيةً ظُلْمُ
فذهب بعض الحاضرين إلى نصب (رجل) ، ورأى آخرون رفعه، واشتد اللجاج في ذلك، فسأل الواثق عمن بقي من رؤساء النحويين فذكروا له المازني، فتقدم بحمله وإزاحة علله وإحسان تجهيزه ليفصل في هذا الخلاف.
وقد يتساءل بعض القراء: ما شأن الواثق بالنحو، وما قيمة رفع (رجل) أو نصبه حتى يزعج المازني من البصرة، ويعقد لذلك مجلسًا من القضاة والمحكمين؛! والجواب: أن الواثق كان من أجلّ الخلفاء وأكثرهم اشتغالًا بالعلم والأدب وأطبعهم على قول الشعر الرقيق، وأبصرهم بالنقد، وأشدهم تمحيصًا للرواية وأميلهم للغناء. ولولا خشية الإطالة لجلونا ناحية من نواحيه الأدبية المشرقة ليعرف الناس كيف كان خلفاء هذا الزمان!
بلغ المازني دار السلام فأدخل إلى الواثق. فقال له: ممن الرجل؟ قال: من مازن. قال: من مازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة، أم مازن اليمن؟ قال: من مازن ربيعة.
وكانت اللغة الفاشية في مازن ربيعة قلب الميم باءً والباء ميمًا. فقال الواثق يخاطبه بلغته بسطًا لنفسه وإدخالًا للأنسة عليها: باسمك؟ يريد: ما أسمك؟!
وهنا تتجلى لباقة المازني وسلامة ذوقه ورفاهة حسه وحسن تأتيه في مخاطبة الخلفاء؛ وأحسبه لو كان نحويًا فقط لارتطم في الهوّة، ولكن ذوقه المكتسب من معاناة الأدب فتق له