يظن نرسل ما نقول في تحفظ حتى تتناصب عليه الشواهد والروايات) آه وما دام هذا كله ظنًا من المؤلف، وما دام قد أقر بذلك فنحن نعلن أن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وأن التاريخ لا يُكتب على هذا الشكل الذي عمد إليه المؤلف، وإنما يكتب التاريخ رجل خالي النفس من الهوى لا يبغض ولا يحب؛ وإنما يدرس المقدمات ويسير فيها بهدى المنطق وينتهي حيث تنتهي به، وما عدا هذا وجاوزه لم يكن تاريخًا ولا شبه تاريخ
8 -ومن أعجب ما يأتي به هذا المؤلف الذي يرتجل التاريخ وينشئ من خياله حوادث لم تكن - أنه يجعل في صفحة (66) نشأة يزيد بن معاوية، نشأة مسيحية! ويستدل على ذلك بأن أخواله بني كلب كانوا يدينون قبل الإسلام بالمسيحية! والى أنه يعرف طرفًا من الهندسة!! والى أن يزيد أمر الأخطل (لمسألة خاصة معروفة) بهجاء الأنصار. ويقول في صفحة (68) بعد سرد هذه الأدلة المضحكة: (إذن كان يقينًا أو يشبه اليقين أن تربية يزيد لم تكن إسلامية خالصة؛ أو بعبارة أخرى كانت مسيحية خالصة، فلم يبق ما يستغرب معه أن يكون مستهترًا مستخفًا بما عليه الجماعة الإسلامية لا يحسب لتقاليدها وعاداتها أي حساب ولا يقيم له وزنًا، بل الذي يستغرب أن يكون على غير ذلك)
هذا قليل جدًا من كثير جدًا، مما في هذا الكتاب العجيب من المسائل.
أما لغة الكتاب فلا تخلو مواضع منها كثيرة من ضعف في التأليف، أو استعمال للكلمة على غير وجهها أو في غير معناها. قال المؤلف في الصفحة (9) : (ثم هذه الجوانب التي نلمح إليها ليس من السهل استيعابها على وجه الدقة إلا إذا انتشرنا على مسائل الخ. . .) فافتتح الكلام بقوله: (ثم هذه الجوانب) وكان الأولى أن يقال: (ثم إن هذه الجوانب) ، واستعمل كلمة (انتشرنا على) بمعنى (اطلعنا على) وليس لها وجه. وقوله في ص (11) : (وكذا يبدو الدرس متصعبًا غامضًا حتى نقف من تاريخ الحسين موقف الحيرة المطلقة لشدة خفاء الجانب التعليلي(؟) في كل مراحل حياته التي كانت أشبه بالبعثرات). وقليل من يفهم ما المراد بالجانب التعليلي، أو يقر كلمة (البعثرات) في هذا الموضع، ولذلك أمثال في الكتاب
هذا وأنا أشكر للمؤلف الفاضل هديته، وأرجو أن يحمل نقدي على المحمل السهل، وأن يثق بأني لولا احترامي إياه، ما نقدته ولا عرضت لكتابه
علي الطنطاوي