أن نقول: إن السياسة شيء واللغة شيء آخر؟ لا شك في أننا نستطيع أن نقول للناس: ليحتفظ كل منكم بمعتقده الديني لنفسه؛ ولكن هل نستطيع أن نقول لهم: ليحتفظ كل منكم بلغته لنفسه؟
يقول المؤلف: إن أوربا أقامت سياستها على المنافع الزمانية؛ فهل يستطيع أن يدعي أن اللغة لا تدخل في نطاق المنافع الزمانية؟ إذا شك في ذلك رجوت منه أن يتصور نفسه - لحظة واحدة - فردًا في رعايا مملكة أجنبية، لا يعرف شيئًا عن لغتها الرسمية؛ ويستعرض أنواع المشاكل التي يقع فيها في كل خطوة من خطوات حياته اليومية؛ فليقل عندئذ هل اللغة خارجة عن نطاق الأمور الزمانية؟
لننعم النظر في سياسة الدول التي قطعت أبعد الأشواط في فصل الدين عن السياسة، وغالت أشد المغالاة في حصر أعمال الدولة في نطاق الأمور الزمانية: هل هي أقدمت على فصل اللغة أيضًا عن السياسة؟ وهل تركت مسائل اللغة خارجة عن ساحة أعمال السلطات الزمانية؟
إنني أعتقد اعتقادًا جازمًا أن اللغة تختلف عن الدين في وجوه الطبيعة الذاتية، والتأثير النفسي، والعمل الاجتماعي. إن عدم ملاحظة هذا الفرق الجوهري - الموجود بين اللغة والدين - في هذه الوجوه المختلفة، قد عرّض المؤلف لأخطاء كبيرة، وأوقفه مواقف يخالف فيها أثبت وقائع التاريخ، وأظهر حقائق الاجتماع مخالفة صريحة
يحاول المؤلف أن يستشهد على أقواله الآنفة بتاريخ الإسلام أيضًا. غير أن محاولاته هذه لا تزيده إلا تغلغلًا في الأغلاط وتباعدًا عن حقائق التاريخ. . .
3 -يتحدث المؤلف عن اتصال مصر بأوربا، وعن اندفاعها في اقتباس الحضارة الأوربية معتبرًا سهولة هذا الاتصال، وسرعة هذا الاندفاع من الدلائل التي تبرهن على عدم وجود (فرق جوهري بين العقل المصري والعقل الأوربي)
غير أنه خلال ذلك يتطرق إلى (نظم الحكم وأشكال الحياة السياسية) في مصر، ويبدي رأيًا غريبًا في هذا الصدد إذ يقول:
(إن الذين أرادوا أن يستبدوا بأمور مصر في العصر الحديث كانوا يذهبون مذهب لويس الرابع عشر وأشباهه، اكثر مما كانوا يذهبون مذهب عبد الحميد وأمثاله) (الصفحة 32)