-الصورة صورة شاب لا شك في أنه أوربي، ومع هذا فهو يلبس ملابس المماليك الأتراك أو الشركس، طربوش يوناني أو عثماني كبير كطربوش تمثال إبراهيم باشا، وقميص من الحرير، وصديري مفتوح، وحزام حرير يطل منه خنجر، و (سروال) ارتفع إلى مادون ركبتيه بقليل من أثر جلسته، فظهر جزءان من ساقيه. . . ثم هذه (البلغة الفاسية) التي أظن أنه كان يجب أن يكون مكانها (مركوب) أحمر أو أخضر ليماشي هذه الملابس التي لم يكن أهلها يعرفون (البُلغ) وأخيرًا هذه الجلسة نفسها على هذه القطعة المخروطة من الخشب التي لا طبيعة فيها ولا صناعة والتي لا تشبه جذع الشجرة، والتي ليس مثلها كرسي، التي تكاد تكون صنعت خاصة لهذه الصورة. . . أو هناك تكلف بعد هذا كله؟
-هذا الذي تسمينه تكلفًا هو ما أسمه أنا إخراجًا. . . فصاحبة هذه الصورة لها خيال تحبه حققته فيها بهذا الأسلوب الذين ترين. فاختارت هذا الفتى الذي فيه ملامح خيالها المحبوب والذي تتعسفين كثيرًا إذ تؤكدين أنه أوربي، لأنه قد يكون كما تقولين وقد يكون شرقيَّا أيضًا، وهو كما ترين ممن يشهد الرجال لهم بالحلاوة والعذوبة، فما بالك بشهادة النساء؟ جبهة عريضة لم يغطها هذا الطربوش العميق الضخم وإن كان أخفى منها جزءًا وهي جبهة تدل على الذكاء والذكاء محبوب، وعيناه دعجاوان تنبعث منهما نظرة مرتاحة متأنقة كأنما تنتقي وتختار، وأنفه دقيق منتظم جميل، تناسق بتناسق نفسه واعتدل باعتدال مزاجه، ووجنتاه بارزتان بروزًا خفيفًا ينفي عن وجهه تراكم اللحم وغلظ الجلد، وعن روحه ثقل الظل وجمود الحس، وفيه واسع ولكنه يبدو كالضيق لأنه مكون من ثلاثة مستقيمات: واحد منهما متقدم والآخران منكسران عنه بزاويتين إلى الوراء فكل منهما في جانب والفم الواسع ترينه دائمًا للمغنين والمتحدثين ذوي اللباقة وحسن التأثير، كما أن له أذنين مرتفعتين غير صغيرتين تفتحتا للسمع والإصغاء وشفتاه لا هما رقيقتان قاسيتان ولا غليظتان بربريتان، وذقنه صغير طرى كذقون الأطفال الأصفياء، وأصابعه طويلة دقيقة خلقت للترفه والعبث وفي إحداها هذا الخاتم المرصع باللآلئ والياقوت استغراقًا منه في جو النساء واصطناعًا منه لما تحبه النساء، وصدره قد انكشف عن القميص فبدا شعره كما بدا الشعر في ساقيه، والشعر في الرجل خشونة تنجذب إليها المرأة الناعمة. . . وهذه الملابس الشرقية التي تسخرين منها هي حلم من الأحلام يتردد في نفوس أهل الغرب، كما يتردد في نفوس