ومضيت خلف أبي على طول الطريق لا أفكر إلا في السعادة التي تنتظرني ساعة أجلس بين يدي الشيخ المبارك أنظر إليه وأسمع عنه وأحفظ من علمه. . .
ورأيت الشيخ يومئذ لأول مرة. لقد بدا لي أصغر سنًا مما كنت أتصوره في خيالي؛ وأحسبه كان صغيرًا حقًا؛ فإنه على ذيوع صيته وامتداد شهرته في القرية، لم يكن قد جاوز الأربعين بعد. عرفت ذلك من لحيته السوداء وشاربه المحفوف. وكان في وجهه ذبول وعليه مسحة من صور الزهاد، أنبأتني بذلك عيناه الناظرتان أبدًا إلى تحت؛ ولكنه على ما كان يبدو في وجهه وفي عينيه من التواضع والانكسار، لم يكد يرى أبي مقبلًا عليه بالتحية، حتى مد له يمناه؛ فطأطأ أبي رأسه ومال على يده فقبلها! حينئذ لم أملك إلا أن أفعل مثله، أنا الذي لم يقبل يدًا قط، حتى يدي أبيه وأمه!
ومنذ ذلك اليوم، صرت تلميذًا من تلاميذ سيدنا الشيخ عبد الجليل. على أني لم أجد في نفسي لذلك من السعادة ما كنت أتوقع؛ فما هي إلا ساعة أو ساعات في مكتب سيدنا، حتى ضاقت نفسي وأحسست مثل إحساس السجين يحاول أن يفر من حراسه!
كان الشيخ جالسًا في صدر المكان على فروة قديمة ناحلة، وظهره مسند إلى وسادة حائلة اللون، وبين يديه قميص يرقعه، وعن يمينه دلوٌ فيها جدائل من خوص أخضر؛ وتحت رجليه عصا غليظة يبدو طرفاها من تحت الفروة التي يفترشها؛ وأمامه صبيٌّ من صبيان المكتب متربع في مثل جلسة المعبود (بوذا) وهو يهتز بين يديه في حركة رتيبة؛ ويقرأ شيئًا من غيب صدره في نعمة واحدة ليس لها لون ولا فيها معنى، وسيدنا مكبٌّ على عمله يرقع قميصه وهو يستمع إلى الصبي، لا يزيد على أن يرفع عينيه إليه بين لحظة وأخرى. وفي المكتب عشرات من مثل هذا الصبي، قد تربعوا أفرادًا وأزواجًا على حصير كبير يغطي أرض الغرفة جميعًا، وبين أيديهم كتب وألواح يقرءون مما فيها حينًا، ويتبادلون الحديث من ورائها في نظرات صامتة حينًا آخر؛ والشيخ يخيط أو يجدل ضفائر الخوص، والصبي بين يديه يقرأ. . .
وكنت غارقًا في تأملاتي لا أكلم أحدًا ولا يكلمني أحد، لا لحظة عين ولا بنت شفة، حين دوي صوت سيدنا غاضبًا يتوعد. . . ومال على فخذ الصبي أمامه يقرصه بغيظ والصبي يتلوى من الألم لا يكاد يسمع صوته من خوف سيدنا!