فلما أبصرها شغفته حبًا، ودلهّته غرامًا، فعمد إليها ليخطفها، فقامت دونها الصخور ووقفت تحميها (الدلبة) العظيمة التي تعيش هناك، وتلوح بأذرعها مهددّة، فعجز عنها. وأنى له الوصول إليها وهي نائمة في حضن الجبل ومملكته لا تتجاوز الوادي. . . فحطم الحب كبرياءه، وما أجل ما يفعل الحبّ! فتطامن ومشى ذليلًا. فلما رأته فتنته بصمته، وحرْك قلبها بأحزانه فمالت إليه، وشغفت (ببيرق) عينيه وقوته وشبابه، فنسيت وصاة أمها، وتمنّت لو نامت على ذراعيه. فلما جرّبت ذلك حملها وطار بها إلى دمشق
ومر على بردى نصف مليون من السنين، وهو السيد المطلق، يجري حرًا أبيًا، لا يقف في وجهه شيء، حتى يجوز بدمشق، ثم يذهب فيستريح في (العُتيبَة) . . . ثم ظهر الإنسان على الأرض، وظهر بردى على الطبيعة، فويل له من للإنسان!
وفي ذات صباح جاءه طائر يلهث عطشًا. فلما سقاه أحب الطائر أن يجزيه خيرًا، فخبره أنه رأى هناك في الرمال المحرقة التي تملأ (الجنوب) أمة من الناس، يمشون في طلب الماء. وقال له: إني أخاف عليك منهم، فهم من أهل الجزيرة التي لا تغلب. من العرب. إنهم بنو الشمس، بنو الصحاري، بنو الموت، أفتظن أن الموت يمس أبناءه؟
فضحك بردى وصرفه بسلام!
ووصل أول رجل من القافلة، وكان من أهل (الجزيرة) . وهل خرج إلى الدنيا في فجر الحياة غيرهم؟ فلما رآه صاح باخوته أن تعالوا انظروا كم يحمل من ماء الحياة ونحن هالكون عطشًا. فاقبضوا عليه كي لا يفلت من أيدينا. ضعوا له الحواجز في طريقه كيلا يهرب. . .
وأراد أن يضربهم ضربة واحدة فيهلكهم فلم يقدر عليهم. وقدروا هم عليه فأحس أن نجمه قد شرع في الأفول. . . عطلوه عن سيره، وغلبوه على أمره، ثم صنعوا معه صنع كل عدو غالب. فرّقوا جماعته، وجعلوا أمته الواحدة أممًا سبعًا، فبعد أن كان كله بردى صار بردى ويزيد وتورا وبأناس والقنوات والديراني والقناة، ثوّروا عليه أبناءه حتى استقلوا عنه واعتصموا منه بأكناف الجبلين. . . ثم سلبوه الفيجة واستاقوها (مقيدة بالحديد) إلى دمشق. . .
ولقد غضب بردى مرارًا وهاج، فكان يهجم على المنازل وساكنيها، فيشردهم شذر مذر،