ولما انفردا قالت له في ألم وجد:
-أنه ليحسن بنا أن نفترق، فإن من الخير أن لا نلتقي بعد ذلك، وبعد الذي كان لا أحب أن أراك لأنني كنت ضعيفة ومجنونة، فليس هناك ما يبرر أن أعود لهذا الجنون وذلك الضعف مرة أخرى!
فجعل يتوسل إليها أن تلحق به وهو يؤكد لها أنه سيصلح ما أفسده. وأنه سيتزوجها إن شاءت ومتى شاءت ولكن عبثًا ما حاول فقد رفضت أن تسمع له وتركته ومضت
ولم يعد يراها. ومر أسبوع وأسبوع، ولم يكن يعرف مأواها، ولعله أيس منها أو لم يقطع في أمرها بأمر، لأنه ذهب مرة يفتح الباب لطارق فوجدها هي. وأثلج صدره أن شعر بها فيه، تملأه وتهدهده، ورأى ذراعيه قد التفتا عليها، وجعلتا تضغطانها في رفق وشوق. . .
وعاشا معًا ثلاثة شهور شعر بعدها بالملل منها، فتهابط حبه لها وشغفه بها، ونقصت رعايته إياها وعنايته بها. . . ثم جبن وتسافل حين ذكرت له إن جنينًا يتواثب في أحشائها فكأنما كان هذا النبأ عصًا ألهبته، لأنه فر من وجهها مسرعًا لا يلوي. واختفى. . . لا حذرها ولا أخبرها إلى أين. . . ولا هي ارتضت لنفسها أن تبحث عنه
لقد طاوعت كبرياءها فلم ترد أن تفعل، ولم تجد في وسع عينيها سوى أمها. . . فتهاوت في صدرها حزينة باكية تشكو لها بثها، وترجو عندها الستر والصفح والسلوى. . .
وفي الجانب الآخر عاش الخاطئ المسكين عيشة مضطربة قلقة سمجة، لا معنى لها ولا غناء فيها. . . عاش وحيدًا منعزلا، لأن عليه أن يعيش. . . كانت الدنيا في عينيه مظلمة قاتمة سخيفة لا خير فيها. ولو لم يكن لديه إلا عمله يرى فيه بضعة وجوه لمات كمدًا ومللًا. . . فتخامد شبابه وانطفأ نور حياته في حضيض خطيئته. وغدا على الدنيا شبحًا يود لو ينتهي
وكان يقسو عليه ألمه أحيانًا فيضيق بوحدته فيخرج في آصال أيام الأحد ليسير ثقيلًا متباطئًا، وما هي إلا خطى معدودة حتى يجلس ملولًا ضيق الصدر، ليرى الأسر السعيدة مغتبطة هانئة بأطفالها التي تجري حولها بوجوه ضاحكة مستبشرة. وكان هذا المرأى في ذاته يزيد ألمه وحزنه، ويسلمه إلى شعور عنيف يستبد به فيشعر أن قلبه ينسحق تحت معول ضخم، فلا يملك لنفسه إلا أن يطرق ويصمت