الخير لنا ولك أن تؤخر نشر القسم السياسي منه إلى حين. إما قسمه الأدبي والاجتماعي فستكثر حولهما الأحاديث، ولكنهما في الأدب والنقد والتاريخ نصر وفتح)
نزلت على رأي الصديق العظيم وعدت بالمخطوط الغالي إلى موضعه من المكتب. ثم أعلنت أني سأنشر بعض صوره الأدبية في (الرسالة) ، وقد نشرت بالفعل منه فيها صورتين أو ثلاثًا رفَّت لها الآذان وأصغت إليها الأفئدة
ولكني وا أسفاه! لم يعد للطفل الحبيب نفَس ينسم على نفسي ببرد الجنة، ولم يبق من الكتاب العزيز سطر يشعب فؤادي بذكرى العراق!
وا لهفتاه على ولدي الذي أبدعه الله، وعلى أخيه الذي أبدعته! جاءا معًا في الشتاء، فلم أجد لوجودهما بردًا ولا عبوسًا ولا كآبة؛ وذهبا معًا في الربيع، فلم أحس لفقدهما دفئًا ولا طلاقة ولا بهجة. أودي بهما القدر العابث خداعًا وغيلة، فسلب العين الكلوء ريبة الحذر، وجرد الدفاع اليقظ من فرصة الحيلة. دب للطفل الموت الوحيُّ في وعكة خفيفة من البرد ظنها الطبيب زكامًا عارضًا فإذا هي الخناق القاتل. ومشى للكتاب القدر المحتوم في ركام من الورق المتروك فذهب به خلسة إلى النار المبيدة!
أخذت ذلك الكتاب ذات يوم من درج المكتب لأختار منه فصلًا للرسالة، ثم جلست في البهو على كنبهُ بعثرت من فوقها وأمامها تجارب المجلة وأصول المقالات، فاخترت من المخطوط قطعة أدبية ثم ألقيته إلى جانبي، وأخذت أصحح (الملازم) وأطرح (الأصول) حتى فرغت من ملزمتين فدفعتهما إلى غلام المطبعة، وخرجت من البهو لا في يدي ولا في جيبي لأترك هذا الورق المهمل لخادم البيت تكنسه من هنا وهنا، ثم تطرحه على عادتها كل يوم في صندوق الكناسة، ويأتي الزبال فيأخذ ما تجمع في الصندوق ويحمله على عادته كل يوم في زنبيله إلى المستوقد!
وهكذا قضى الله أن تذهب إلى العدم خلاصة العمر وعصارة الفكر في فترة ضائعة من فترات الغفلة! وهيهات أن يكون لهما في الحياة عوض، فإن الفلذة إذا اقتطعت من الجسم لا ترجع إليه ولا تتجدد فيه، وسحر المنظر الجديد لا يتكرر أثره في نفس زائره ومجتليه
حولت بصري عن الصفحة ثم أطرقته. ولجّ بي الإطراق والاستغراق حتى سقط الدفتر من يدي، وتلاشى الحاضر من نفسي، ووثب الماضي إلى خاطري، ووقفت أما الفاجعتين وجهًا