يسمه أرباب الطباعة بالترقيم وضعت في غير مواضعها من عبارات الكتاب كما زعم، وقد استغرق منه هذه الإحصاء قرابة نصف صفحة من مقاله؛ ولم يدر أن هذا الترقيم إنما يمليه الذوق وحده، ولا يرجع وضعه إلى قواعد ثابتة إلا في رسم العلامات؛ فربما قرأت عدة عبارات فتفهم أن بعضها متصل ببعض، فتضع بينها شولات؛ ثم يقرؤها آخر فيفهم أن بينها اتصالًا من ناحية وانفصالًا من أخرى فيضع شولة منقوطة وهكذا، وكلا الفهمين صحيح لا يعترض بأحدهما على الآخر
وقلّما رأيت مصححًا قرأ صفحة ووضع هذه الفواصل بين عباراتها حسب ذوقه في فهم الكلام، ثم عرضت على آخر بعده فوافقه على ذلك؛ بل لا بد أن يجري قلمه في هذه العلامات بالمحو والإثبات حسب ذوقه هو أيضًا؛ وكذلك لو عرضت هذه الصفحة على ثالث ورابع
وأشهد لقد حسدت الدكتور بشر أشد الحسد على ما منحه الله من أتساع الزمن ورحابة الصدر وقوة الصبر وطول البال حتى استطاع أن يفرغ لتسقط هذه العلامات التافهة الضئيلة والتقاطها من كتاب كهذا فيه الألوف منها
ومن هذه الأمثلة أيضًا ما سماه (تباعدًا عن سياق النص) في عبارة أوردها من كلام المؤلف يخاطب الوزير أبا عبد الله العارض قال (أي التوحيدي) : (فقلت قبل: كل شيء أريد أن أجاب إليه يكون ناصري) الخ. وقد فهم مصححا الكتاب من هذه العبارة أن التوحيدي يريد من الوزير أن يجيبه إلى كل شيء يريده، ليكون ذلك معينًا له وناصرًا على ما يريده الوزير من الإمتاع والمؤانسة بمجلس التوحيدي؛ وقد ضبطا تلك العبارة على هذا الوجه تبعًا لما فهماه منها، وهو فهم صحيح لا غبار عليه ولا مطعن فيه وقد رأى الناقد أن تضبط العبارة هكذا: (فقلت قبل كلٍ شيءٌ أريد أن أجاب إليه) ألخ فاهمًا أن أبا حيان يريد إلى الوزير أن يجيبه إلى شيء واحد قبل إمتاعه ومؤانسته، وهو فهم صحيح أيضًا مع شيء من الضعف، ولا يعترض بفهم على فهم كما قدمنا
وإذا بحثنا كلا الفهمين وأردنا الترجيح بينهما وجدنا أن الفهم الأول أليق بحال أبي حيان مع الوزير أبي عبد الله كما يتبين ذلك من ثنايا كتابه
وأيضًا فلا شك في أن إرادة أبي حيان من الوزير أن يجيبه إلى كل شيء يريده خير من